مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي (قراءة نقدية لبعض الآراء)

الجزء ١ · صفحة ٣٠

كتابة تأويلات النص القرآني كتابة تمُدُّ الجسور مع "الآخر" وتتصالح معه، وإلاَّ فسيظلُّ العربي المسلم غريبًا عن العالم؛ «لا أعرف كيف يمكن للكتابة [المتعلقة بالنص القرآني] أن تكون إنسانية كونية ما دامت لا تفهم الآخر، أو لا تريد أن تفهمه؟ وما تكون قيمة كتابة مغلقة ومعزولة عن الآخر؟» (19).

ثالثًا: بين النص الديني والنص الأدبي:

إنَّ قراءة مفكِّري الحداثة للنص القرآني ومحاولاتهم التأويلية ترتكز - كما تمليه بعض المناهج اللغوية واللسانية- على الجانب اللغوي للنص باعتباره المادة المحسوسة القابلة للتحليل دون اعتبار لطبيعته الغيبية، والخطابات المحايثة للنص والمشكلة للوعي وطبيعة التلقي، ومنها النقول المجسَّدة في السنة النبوية (القولية والفعلية). فإذا كان النص القرآني نصًّا لغويًّا من حيث بيانه وبلاغته .. ومن حيث إمكاناته اللغوية والجمالية، فإنَّ الظروف والغايات التي وُجد من أجلها هذا النص تستدعي قراءته قراءة ملمَّة بجميع الجوانب، حذر اختزاله، فالدراسة اللسانية اللغوية مثلاً للنص القرآني - وإن أنارت جوانب من هذا النص- فإنَّها ستكون قاصرة عن إدراك الإطار الشمولي "الغائي" (من الغاية) للنص.

ثمَّ إنَّ تناول النص القرآني بالدراسة وفق مناهج قراءة النصوص الأدبية كما تشكَّلت في ثقافاتها الأصلية، يلغي - كما سبقت الإشارة - الفوارق بين النص الديني والأدبي، تمامًا كما قد يتجاهل الناقد الفوارق بين نص إعلامي ونص شعري مثلاً ولاءً لقالب منهجي معين. ويمكن ببساطة اكتشاف فروق جوهرية بين النص الديني - المحكم منه خصوصًا- والنص الأدبي، يتحتَّم على الدارس الموضوعي إدراكها ومراعاتها.

نعم إنَّ عددًا من الخصائص تقرِّب بين النص الأدبي والنص الديني والفلسفي، وربَّما كانت بعض التصورات الأدبية ناتجة أساسًا عن التباس النص الديني والفلسفي بالنص الأدبي .. حيث يكون استعمال اللغة استعمالاً يخرج بها عن المألوف للوصول إلى درجة التعبير المجازي والاستعاري، لكن هذه الخاصية ليست كافية للتسليم بأنَّ النص الديني أو الفلسفي يستدعي نفس التأويل الذي نمارسه على النص الأدبي.

إذا أخذنا على سبيل المثال أهمية الطبيعة الزمنية للمعنى في قراءة وتأويل النص الأدبي وجدنا أنَّه ليس من الضروري المحافظة على البعد الزمني والتاريخي للوصول إلى معنى معين، بينما نجد أنَّ قراءة النص القرآني وتأويله بمعزل عن ملابساته الزمنية والتاريخية: "أسباب النزول"، و"المكي والمدني"، و"الناسخ والمنسوخ" من الآيات، يُوصل إلى نتائج قد تكون متعارضة مع قصد النص وغايته.

على أنَّ البعد التاريخي للنص الديني لا يقف جامدًا في فترة ظهور النص، كما يتوهم أتباع النظرة التاريخانية (20)، ليسوِّغوا تطبيق المنهج التاريخاني الذي يعتبر أنَّ تفسير النص يجب أن يكون

٣٠ / ٢٦٨