مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي (قراءة نقدية لبعض الآراء)

الجزء ١ · صفحة ٣١

مرهوناً بتاريخه (21)، ويجب أن يكون ساكناً هناك لحظة ميلاده، بحيث لا يمكن فصل أيِّ نصٍّ عن تاريخه … هذا المنهج يصدُر عن نزعة وضعية تؤمن بأنَّ الأديان هي من صنع البشر، ويعتبرها إنشاءًا إنسانيًّا. وبالتالي يكون معنى النص الديني كأيِّ نص آخر مرهونًا بطبيعة الزمان والمكان الذي تشكَّل فيه.

إنَّ النص الديني (القرآني بوجه خاص) يحمل خصوصية تميزه وتمتدُّ به في عمقه الغيبي والتاريخي ليتواصل مع مسيرته في الماضي والحاضر والمستقبل، ويجمعها في خيط واحد، «لأنَّ النص القرآني يحمل صفة اليقين المطلق، وكلُّ ما عداه يدور في فلكه، بينما يتحدَّد فضاء النص الأدبي عند لحظةٍ ينتهي فيها ليبدأ نصٌّ جديد .. والنص الديني فعلٌ في التاريخ، فعلٌ امتدادي يحمل طابع السيطرة المطلقة على الأفكار الأخرى، وهو رؤية ذات نزعة نهائية للعالم تُفسِّره وتغيِّرُه، بينما يحمل النص الأدبي محدوديَّته في التفسير والتغيير، ويحمل أيضًا نسبيته الذاتية والتاريخية» (22).

إنَّ الخطاب "الحداثي" على يد "أدونيس" و"أبي زيد" و"أركون" يحاول قراءة النص القرآني ونقده - ونقد الفكر الإسلامي بشكل عام - وهو مسكون بهاجس التحرُّر والتغيير، بدعوى تجديد آليات الفكر وربطه بفتوحات الحداثة الفكرية، عن طريق الاستفادة من المناهج الجديدة.

وفي هذا الصدد يقول "أركون": «ينبغي علينا إعادة تشكيل علم الربوبية، وعلم ثيولوجيا الوحي، وعلم ثيولوجيا التاريخ، وثيولوجيا الأخلاق وفلسفة القانون، إلخ .. ولكي نُنجز كلَّ هذا العمل بشكل مُرْضٍ نحتاج أولاً إلى تشكيل علم لسانيات حديث للغة العربية، وتشكيل نظرية متماسكة للتأويل، وتشكيل علم سيميائيات الخطاب الديني، ثم تشكيل نظرية للرمز وأنتروبولوجيا سياسيَّة؛ مع نظرية متكاملة عن المشروعية العليا، والسلطات التنفذية والديالكتيك الذي يربط بينهما. كلُّ هذا نحتاجه، وكلُّ هذا لا يزال ينقصُنا في الساحة الإسلامية وفي الناحية العربية، وهذا يشكِّل بحدِّ ذاته برنامجاً ضخماً لمن يريد أن يعيد التفكير في "الإسلام" بالمعنى الجذري الاستراتيجي للكلمة» (23).

لن أدخل في تفاصيل الفكر النقدي الحداثي الذي يتبناه "أركون"، ولا تصوره المثالي الخاص، وبالتالي حكمه على منتجات الفكر الإسلامي، ولكن أريد ملاحظة بعض النقاط التي استخلصتها من قراءته النقدية التفكيكة للنص القرآني:

أولاً: إنَّ قراءة "أركون" للنص القرآني تنطلق من اعتباره جزءاً من التراث الذي يستلزم القراءة النقدية؛ بمعنى أنًّ النص القرآني ليس إلاَّ نصًا تشكَّل "تاريخياً" ضمن شروط معيَّنة كغيره من النصوص التي يحفل بها الموروث الفكري للحضارة الإسلامية .. مثله في ذلك مثل الشعر الجاهلي أو الشعر الأموي أو العباسي أو غيرها من منتجات الفكر الإنساني عبر العصور المختلفة.

٣١ / ٢٦٨