فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي (قراءة نقدية لبعض الآراء)
الجزء ١ · صفحة ٣٢ثانياً: وبناء على النقطة الأولى، تسنَّى لأركون إخضاع النص القرآني للنقد التفكيكي والقراءة الحفريَّة وإخضاعه «لمحكِّ النقد التاريخي المقارن، وللتحليل الألسني التفكيكي، وللتأمل الفلسفي المتعلِّق بإنتاج المعنى وتوسُّعاته وتحوُّلاته وانهدامه» (24)، كما يهدف إلى «استنطاقه عن مشروطيته وحَدَثيَّته، كاشفاً عن تاريخيته الأكثر مادية ودُنيويَّة، والأكثر يوميَّة وعادية، بل الأكثر شيوعاً وابتذالاً» (25).
ثالثًا: أخضع أركون النص القرآني لمطرقة النقد والقراءة التفكيكية المسلَّحة بمنهج الشك المطلق، ابتداءًا من اعتبار ظاهرة الوحي نموذجًا للتعبير "الميثي" "الأسطوري" «إنَّ الحكايات التوراتية والخطاب القرآني هما نموذجان رائعان من نماذج التعبير الميثي (الأسطوري)» (26) تمَّ إضفاء رداء القداسة عليه في ظروف تاريخية معينة.
ولقد استخدم "أركون" منهج الشك أيضًا في نقده للرواية الإسلامية لقصَّة جمع القرآن؛ معتبرًا أنَّها تمَّت بتدخُّلٍ سياسي إقصائي من الخليفة "عثمان" رضي الله عنه، ويخلُص إلى ضرورة «إعادة كتابة قصَّة تشكُّل هذا النص بشكل جديد كلياً، أي نقد القصَّة الرسمية للتشكيل التي رسَّخها التراث المنقول نقداً جذرياً، هذا يتطلَّب منا الرجوع إلى كلِّ الوثائق التاريخية التي أتيح لها أن تصلنا سواء كانت ذات أصلٍ شيعي أم خارجي أم سنِّي. هكذا نتجنَّب كل حذف "ثيولوجي" لطرف ضدَّ آخر، المهم عندئذ هو التأكُّد من صحة الوثائق المستخدمة» (27).
ولم يسلم من مطرقة "النقد الأركوني" وقراءته التفكيكية أغلب الأصول الفكرية للإسلام مثل: "الحديث" و"القياس" و"الإجماع"، كما تعرَّض لأصول الفقه، والمذاهب، والتاريخ، وامتدَّ إلى الصحابة، والفقهاء والأئمَّة، وطال العلماء وأفكارهم ومؤلَّفاتهم؛ فالحديث النبوي عنده قد تعرَّض «لعملية الانتقاء والاختيار والحذف التعسفيَّة التي فُرضت في ظلِّ الأمويين! وأوائل العباسيين أثناء تشكيل المجموعات النصية (كُتب الحديث) المدعوَّة بالصحيحة، لقد حدثت عملية الانتقاء والتصفية هذه لأسباب لغوية وأدبية وثيولوجية وتاريخية» ..
وقد خلص "أركون" في الأخير إلى أنَّ هذا "الحديث"، إضافة إلى الإجماع والقياس، «مبادئ غير قابلة للتطبيق» (28).
إنَّ دافع "أركون" الأساسي لهذه القراءة وهذا التوجه النقدي في مراجعة القرآن الكريم - حسب رأيي- إنَّما هو محاولة لإيجاد مجالٍ حيوي يلبِّي حاجته في استخدام ترسانته المعرفية الهامَّة والمتراكمة من العلوم الاجتماعية والإنسانية .. ، ومحاولة جادَّة لاستثمار المنهج التفكيكي الحفري "الأركيولوجي" بكل تفاصيله وملابساته في تأسيس منهجٍ نقدي جذري "حداثي" في التعامل مع الظاهرة القرآنية - ومع التراث العربي الإسلامي بشكل عام - تقوم على نقد بنيته التكوينية وآلياته المعيارية، ثم هدم وتفكيك مقوماته الأصيلة عن طريق إخضاعه للنموذجية العقلانية الغربية في التفكير.