فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي (قراءة نقدية لبعض الآراء)
الجزء ١ · صفحة ٣٣إنَّ النقد الذي نوجِّهه للمشروع "الأركوني" والحداثي بصفة عامة، رغم الاعتراف بالمجهود العقلاني الفلسفي لسبر أغوار التغيرات المستجدَّة في أواخر القرن الماضي، ومدى استيعاب النظريات الغربية (الظواهرية، أو السميائية، أو التفكيكية .. ) والتحكُّم في مفاهيمها وآلياتها، وبضرورة التفتح على هذه النظريات و"تفكيك" و"حفر" بنياتها الأساسية وطرق تشكلها ومجالات استخدامها … إلاَّ أنَّ نقاد الحداثة لم يسلموا هم أيضًا - حين تعرَّضوا للنص القرآني- من سيطرة الوقع الأيديولوجي للنظرية التي يصدرون عنها، لذلك وجدنا أنَّ هذا التفكير قد اصطدم بعقبات كثيرة من بينها الموروث اللاهوتي الغيبي للديانات مجتمعة من جهة، والثقافات السائدة حول هذه الديانات من ناحية أخرى، ممَّا جعل عملية تطبيق هذه المناهج ضئيلة النتائج، لأنَّ الحرص على الطابع المنهجي كان أشدَّ من الحرص على النتائج والخلاصات النهائية.
إنَّ كتابات نقاد الحداثة تتضمَّن "مشاريع بحوث" بما تقدمه من مخطَّطات أكثر مما تعطي من إجابات عن الأسئلة التي تطرحها؛ فهذا "أركون" يقول: «سوف أكتفي بالتنصيص على بعض المبادئ الحادَّة والقاطعة بهدف إثارة الاعتراضات والتحفُّظات، ومن ثَمَّ التفكير والمناقشة النقدية، أكثر ممَّا أهدف إلى تقديم نتائج وإجابات جاهزة» (29).
إنَّ الروح النقدية ـــ بجميع مستوياتها ـــ تسيطر بشكل خطير على سيرورة الخطاب الحداثي وتُوجِّهُه بكيفية آلية عبر متاهاتها الغامضة لينبثق عنها ما يمكن اعتباره "توتُّراً نقدياً" من الدرجة العليا، غايته "هدم" أساسيات العقل الإسلامي وكلِّ ما أنتجه من تراث فكري؛ فالمطالبة بإعادة تشكيل مناهج النظر والقراءة بالكيفية التي تتلاءم ومنتجات الفكر الأوروبي المعاصر، إضافة إلى كونها تعبِّر عن نوع من الهزيمة الفكرية والاستلاب الثقافي، فإنها تساهم في تأكيد الصورة الثبوتية والمنغلقة للإسلام وتراثه؛ من حيث إنَّه لا ينهض ولا يتطوَّر إلاَّ بتفعيل أدوات "مستوردة" ومفصولة عنه حتى يمكن التفكير فيه بطريقة "علمية"؛ أي أنه لا يملك أدواته الخاصَّة انطلاقاً من تفاعل عناصره الداخلية بالشكل الذي يفجِّر القوى الكامنة فيه ويبرزها للتفاعل الإيجابي مع ما يقدِّمه الآخر من نظريات، وكلُّ ذلك في سبيل صياغة منهج متكامل وواضح المعالم، ينطلق من النص كفاعلية ويجعل من قاعدة الاجتهاد المقنَّن حافزًا لتفعيل حركية الوعي بأشكاله المختلفة، ثم يرتقي بالتأويل إلى درجة من العقلانية تسقط فيها الحدود وتزول التقسيمات المفتعلة: بين المادة والروح، وبين الظاهر والباطن، وبين العقل والنقل ..
رابعًا: حول ثنائية النقل والعقل:
لقد حُظيت قضية النقل والعقل باهتمام الفكر الحداثي العربي، وأثيرت أهمية ومصداقية كلٍّ منهما، فإذا كانت المدرسة العربية في التفسير بالنقل تقرُّ بضرورة "تخصُّص" التفسير بالنقل، وإذا كانت مدرسة التفسير بالعقل تقرُّ بضرورة "عقلنة" النقل، فما وافق العقل من النقول اعتُدَّ به في التفسير