مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي (قراءة نقدية لبعض الآراء)

الجزء ١ · صفحة ٣٤

والتأويل وما خالف العقل لم يؤخذ به .. ثم كان أهل السلوك والتفسير الإشاري من الصوفية قد اعتمدوا العرفان والترقِّي بالنفس لإدراك الحقائق النورانية للقرآن بغير سندٍ عقليٍّ ولا حجَّة نقلية … واستمر التجاذب بين هذه الأطراف ولو في الخفاء، حتى عصرنا الحديث بحيث استوعب بعض النقاد العقلانية الغربية الثائرة على سلطة الكنيسة وعلى سيطرة النصوص المقدسة على حياة الإنسان الغربي، فرأى هؤلاء النقَّاد أنَّ الوصول إلى العلمية والموضوعية لفهم النصوص بشكل عام ـــ والنص القرآني بشكلٍ خاص ــ لا يتمُّ ببعث النقول والمأثورات والاعتداد بفهوم القدماء، فهي تعبِّر عن عصرهم وانشغالاتهم، وأنَّها غير قادرة على تقديم الحلول المناسبة لتطورات العصر، والإجابة على أسئلة وانشغالات أهله، بل بالمقابل يرى بعضهم أنَّ النقول تشكِّل سلطة دينية تُعيق قدرة العقل على التطوُّر والإبداع، لذلك وجدنا أنَّ الخطاب الحداثي العربي في مقاربته النص القرآني يسعى حثيثًا إلى التحرُّر من سلطة النصوص الدينية ومن مرجعيَّتها الشاملة، ويؤكِّد على ضرورة "أنسنة" النصوص السماوية لإزالة كلِّ الغيبيات والمقدَّسات التي لا تخضع لسلطة العقل، ودون هذه الممارسة فإنَّه ليس بإمكان العقل الانطلاق حرًّا يتجادل مع الطبيعة في مجال العلوم الإنسانية عمومًا، وفي مجال النصوص الدينية بصفة خاصة.

يقول نصر حامد أبو زيد: «إذا كان الاستناد إلى سلطة النصوص يعني أنَّ الماضي هو الذي يصوغ الحاضر دائمًا، فإنَّ الاستناد لسلطة العقل يعني قدرة الحاضر الدائمة على صياغة القوانين التي تناسبه» (30) .. إنَّ النقول الإسلامية لا يمكن حسب "أبي زيد" أن تساعد في حلِّ المشكلات المعاصرة بل هي تعقِّدها أكثر؛ «إنَّ حلَّ مشكلات الواقع إذا ظلَّ يعتمد على مرجعية النصوص الإسلامية يؤدِّي إلى تعقيد المشكلات حتَّى مع التسليم بأنَّ الخطاب يقدِّم حلولاً ناجعة» (31)، ذلك لأنَّه يعتبر الوعي العربي الراهن عاجزًا حتى اليوم عن محاولة فهم النص القرآني فهمًا علميًّا من الواقع والثقافة بغضِّ النظر عن أزلية النص ووجوده "الأسطوري" السابق في العلم الإلهي أو اللوح المحفوظ.

إنَّ "حساسية" أبي زيد تجاه النقل جعلته يؤكِّد أنَّ العقل «هو السلطة التي يتأسس عليها الوحي ذاته» (32)، ذلك لأنَّ سلطة العقل حسب اعتقاده هي السلطة الوحيدة التي تُفهم على أساسه النصوص الدينية.

أمَّا "أدونيس" فقد أشار أثناء انشغاله بجدلية "الثبات والتحوُّل" إلى رفضه للغيبيات وتفضيله "الإلحاد"؛ فالإلحاد في نظره «عودة إلى الإنسان في طبيعته الأصليَّة، وإلى الإيمان به من حيث هو إنسان، فما دام الإنسان تابعًا للغيب لا يمكنه أن يكون إنسانًا ( … ) فالإلحاد لذلك ثورة حقيقية تهدف إلى أن تهدم سلطة يمارسها الإنسان باسم الوحي على الإنسان، أو يمارسها باسم الغيب على الواقع» (33). إنَّ أدونيس لا يُحِلُّ العقل محلَّ المرويات من النقول فحسب، بل يُحِلُّه محلَّ الغيب بما فيه الوحي الإلهي والنبوءة، ويحلُّ الإنسان محلَّ الله، فالإلحاد نواة حياة المستقبل وفكر المستقبل ..

٣٤ / ٢٦٨