مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي (قراءة نقدية لبعض الآراء)

الجزء ١ · صفحة ٣٥

لذلك فهو يرى أنَّ الثقافة العربية لم تعرف التجديد والتطوُّر والنهضة إلاَّ على أيدي أصحاب المذاهب "الباطنية" و"الإشراقية" و"الحلولية" التي تخلَّصت وتحرَّرت من سلطة النص الديني بصفته وحيًا من الغيب.

خامسًا: الاجتهاد في النصوص المحكمة:

ولقد انسحب السجال حول العقل والنقل إلى قضية "الاجتهاد"، فإنَّ الاجتهاد حسب ما سبق من آراء نقاد الحداثة يكون ممارسة عقلانية ذات طابع علماني تحرُّري تنويري، ولا يتدخَّل النقل إلاَّ ليُعيق الاجتهاد ويحدَّه بوضع النصوص وتصنيفها تحت خانات المحكم والمتشابه .. ما يجوز فيه الاجتهاد وما لا يجوز … لذا نجد "أبا زيد" يتخطَّى هذه التقسيمات ويرى ضرورة إخضاع جميع النصوص لمحكِّ العقل، وفتح باب الاجتهاد ليس في الأحكام والتشريعات فحسب بل وفي الأصول والعقائد أيضًا، وفي هذا لا فرق لديه بين النصوص المتشابهة الظنية الدلالة، والنصوص قطعية الدلالة كالقصص القرآني، والعقائد، والضروريات، وأمثلة نداءاته بهذه الاجتهادات في كتبه عديدةٌ، منها إثارته قضية وجوب الاجتهاد في ميراث البنت؛ حيث يقول: «لا يجوز أن يقف الاجتهاد عند حدود المدى الذي وقف عنده الوحي، وإلاَّ انهارت دعوى الصلاحية لكلِّ زمان ومكان ( … ) واتَّسعت الفجوة بين الواقع المتحرِّك والمتطوِّر، وبين النصوص التي يتمسَّك الخطاب الديني المعاصر بحرفيتها» (34).

إنَّ النزعة العقلية "المتطرِّفة" التي يصدر عنها "أبو زيد" أوقعته في تناقضات خطيرة؛ فهو يجمع بين الدعوة إلى فهم الوحي على أساس العقل وحده (35)، وبين رفض أن يكون للعقل أحكامًا نهائية وقطعية .. وإذ كان المعتقد الديني لا يتأسس إلاَّ على أحكام قطعية ثابتة (36)، فكيف يمكن الاعتماد في هذا التأسيس على العقل الذي لا يملك هذا القطع والثبوت؟ يقول أبو زيد: « … لابد من العودة إلى الأصول والاحتكام لها؛ والأصل والبدء هو سلطة العقل، السلطةُ التي يتأسَّس عليها الوحيُ ذاته، ( … ) هذه السلطة قابلة للخطأ، لكنها بنفس الدرجة قادرة على تصويب أخطائها، والأهم من ذلك أنَّها وسيلتنا الوحيدة للفهم؛ فهم العالم والواقع وأنفسنا والنصوص، ولأنها سلطة اجتماعية تاريخية فإنَّها ضد الأحكام النهائية والقطعية اليقينية الحاسمة، إنها تتعامل مع العالم والواقع (الاجتماعي والطبيعي) والنصوص بوصفها مشروعات مفتوحة متجدِّدة قابلة دائما للاكتشاف والفحص والتأويل» (37).

سادسًا: بين المنقول والمعقول نقد ما بعد الحداثة:

لقد ظنَّ نقاد الحداثة العربية ومفكروها أنَّ التفكير العقلي وحده بإماكنه بعث الحياة العربية والإسلامية، بحيث يتمُّ التعامل مع النصوص بنفي المنقول أو "اللامعقول"، وذلك بناءً على اعتقاد واهم بأنَّ ثمَّة عقلاً خالصًا، وأنَّ ثمَّة فكرًا "علميًّا" ينظر إلى حقيقة الأشياء بصورة نهائية …

٣٥ / ٢٦٨