فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي (قراءة نقدية لبعض الآراء)
الجزء ١ · صفحة ٣٦والحقيقة إنَّ نفيَ النقل وإقصاءَه من الحياة العقلية لا يؤدِّي إلاَّ إلى أعادة أنتاج وصياغة النقول بأسلوبٍ مشوَّه متطرِّف .. فالغيب والوحي والمرويات من النقول تشكِّل مجتمعةً مرجعية العقل العربي، كما تشكِّل الرموز والمقدَّسات و"الغيبيات" جزءًا من حياة الإنسان بعامَّة، ولا يؤدِّي إنكار النقول وإقصاؤها ــ حسب رأيي ــ إلاَّ إلى بروزها على السطح ولكن بصورة مشوَّهة تكرِّس سلطان الوهم والخرافة والتعصُّب؛ والواقع العربي اليوم شاهد على سيطرة أنواع غريبة من الغيبيات والسحر والأوهام … قد يكون من بين أسباب انتشارها ــ كما أوردنا في بداية البحث ــ ردُّ الفعل السلبيِّ لمحاولات إقصاء الرصيد الحقيقي الذي يؤمن به الإنسان العربي المسلم من أمور الغيب الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة كأمور الوحي، والنبوءة، والوعد والوعيد، وأحوال الآخرة …
كما أنَّ الإيمان بالنقول واستحضار أهميتها بمحاورتها واستثمارها سمة أصيلة في الإنسان لا يمكنه الانفكاك عنها، فلا ثقافة من دون محرَّمات ومقدَّسات، كما لا وعي بدون أصولٍ رمزية وغيبية، فالعقل لا يمكن أن يبدأ من الصفر بل يتأسس بالضرورة على نقلٍ سابق.
إنَّ الميل إلى النقل يعكس ميلاً متجذِّرًا في الطبيعة الإنسانية إلى إكبار التراث والمحافظة عليه والتعلُّق بالأولين والاهتداء بهم، وهذا ميلٌ راسخ في النفس؛ فكلُّ فردٍ مقلِّدٌ قدرًا من التقليد، وكلُّ مجتمع يميل إلى المحافظة قدرًا من الميل، وليس هذا حكرًا على المجتمعات الشرقية أو البدائية كما يُظَنُّ؛ بل قد نجده عند أشدِّ أتباع العقلانية والعلمانية حماسة، إذ يحلُّ العقل محلَّ الكلام الإلهي ويحمل العلم - أحيانًا- طابع القداسة، وتتحوَّل النصوص الوضعية والآراء والمفاهيم إلى نصوص مقدَّسة (38)، وتكتسي المذاهب الإنسانية من الهيبة والإجلال ما تكتسيه الأديان … وهكذا نرى أنَّ الحضارة برمَّتها لا تنبني على العقل وحده، بل يمكن أن نقول إنَّ المقدَّسات والرموز ــ مادية كانت أم معنوية ــ تلعب دورًا أكبر في تحريك العقل وإقامة الحضارات.
وإذا حلَّلنا قضية النقل والعقل التي يثيرها اليوم نقاد ومفكري الحداثة وجدنا من جهة ثانية أن لا نقل منزَّهٌ عن تأثير العقل؛ فإذا كان الغيب خارجٌ عن دائرة البرهان فإنَّ التسليم والتصديق به ضربٌ من التصوُّر له، ولا تصوُّر من غير تصديق، كما أنَّ الوحي الذي يشكِّل أصل الاعتقاد وأساس الشريعة يستدعي من العقل أن ينظر إليه باعتباره حقيقة ثابتة، فلا شرع إلاَّ والعقل مُتضمَّنٌ فيه ويحثُّ عليه ويُوجبه، حسب ما تدعو إليه الآيات القرآنية العديدة، وهذه قضية لا خلاف عليها، فالمقلِّد والمفسر بالنقل محتاجٌ لا محالة إلى العقل، إذ بالعقل يُتبيَّن الشرع، وتُستنبط الفروع من الأصول في مجال الأحكام.
خاتمة: