مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

ربا الفضل بين أهل الفقه وأهل الحديث

الجزء ١ · صفحة ٤٨

والكتابة فقط، وما يزال الناس يتساهلون في أمر الربا حتى ينال جميع الأرزاق، فلا ينجو منه شخص مهما كان التحرِّي الذي يقوم به إزاء كسبه ..

ورغم كلِّ الأدلَّة السابقة فإنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يصرِّح بأنَّ مسألة الربا ما زالت غامضة لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفسِّر الآية التي نزلت تفسيرًا واضحًا فهو ينصحنا أن لا نقرب أيَّ معاملة فيها شبهة تؤدِّي إلى الربا لئلاَّ نُصاب بدائه المزمن.

المبحث الرابع: مفهوم الحديث

يتضمَّن هذا المبحث خمسة مطالب أساسية نفصِّلها في ما يلي:

المطلب الأول:

ما هو الربا؟ ما حُكمه؟ ما أنواعه؟

ففي اللغة: الربا معناه الزيادة والنماء في كلِّ شيء سواء أكانت زيادة معنوية أم حقيقية، ومنها قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة آية: 276] … ومنها الانتفاخ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج آية: 05]، ومنها المرتفع من الأرض ﴿وَءَاوَيْنَاهُمَآ إِلىَ رُبْوَةٍ﴾ [المؤمنون الآية 50].

ومنها قولهم: فقد أربى على الخمسين ونحوها؛ أي زاد. ومنها مرض الربو: أي التنفُّس العالي. ومنها التربية أي التنمية، تربَّّيتُ في حِجرِه أي نمَوتُ في كنفه ورعايته … (24).

وفي الاصطلاح الشرعي هو كلُّ سلعة وقع شراؤُها أو بيعُها بسلعة من جنسها مع زيادة بينهما إلى أجلٍ معيَّن .. وهذا ما نستفيده من جميع الأحاديث التي نصَّت على تحريم الربا ونهت عنه. قال الرسول صلى الله عليه وسلم «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البُرَّ بالبُرِّ إلاَّ مِثلاً بمِثل، ولا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير» (25).

فقد نصَّ مثلاً لفظ: «الذهب بالذهب» على اتحاد الجنسين، ويؤيد ذلك لفظ «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم».

ونص «مِثلاً بمِثل» على منع الزيادة بينهما ويوضح ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «فمن زاد أو استزاد فقد أربى».

ونص «لا تبيعوا بعضها ببعض على التأخير» على منع الأجل في قبض السلعة .. لذلك حصره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم والبخاري في قوله «لا ربا إلاَّ في النسيئة»، وفي حديث النسائي «إنما الربا في النسيئة».

وهذا الحصر هو الذي جعل العلماء يُقسِّمون الربا إلى نوعين هما: ربا النسيئة وربا الفضل ..

وعلى هذا التقسيم ضبطوا الحكم على الربا، فأجمعوا إجماعًا ليس فيه شذوذ أنَّ ربا النسيئة حرامٌ لتصريح الأحاديث به وتنديد الآيات القرآنية به ..

٤٨ / ٢٦٨