مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

ربا الفضل بين أهل الفقه وأهل الحديث

الجزء ١ · صفحة ٥١

عليه وسلم: «إنَّما الربا في النسيئة»، وقوله: «لا ربا إلاَّ في النسيئة»، فدلَّت صيغة الحصر على وجه المخالفة أنَّ كلَّ معاملة بيع وقع فيها اتحاد الجنسين والزيادة بدون أجلٍ فلا تُعتبر «ربًا» وبالتالي يجوز للمسلمين أن يتعاملوا بها فيما بينهم .. ويُقوِّي هذا المعنى ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «الذهبُ بالورِق ربًا إلاَّ هاء وهاء، والبرُّ بالبُرٍّ ربًا إلاَّ هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلاَّ هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلاَّ هاء وهاء»، وكذا ما قاله البراء بن عازب وزيد بن أرقم قالا: كنَّا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عن الصرف فقال: «إن كان يدًا بيد فلا بأس، وإن كان نَسَاءًا فلا يصلح»، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: «لا ربا فيما كان يدًا بيد».

ب ـــ ومن السنَّة الفعلية:

ما رواه الربيع عن ابن عبَّاس وأبي داود عن جابر بن عبد الله موصولاً أنَّه صلى الله عليه وسلم ابتاع بعيرًا ببعيرين .. إلاَّ أنَّ هذا يدًا بيد.

ج ـــ ومن السنة التقريرية:

ما رواه الربيع وأبو داود في نفس الحديث السابق، أنَّه صلى الله عليه وسلم أجاز بيع عبد بعبدين إلاَّ أنَّ هذا يدًا بيد .. وما رواه الهيثمي عن الصنابحي قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة مُسنَّة في إبل الصدقة فغضب، وقال: «ما هذه؟»، فقال: يارسول الله إنِّي أرجعتها ببعيرين من حواشي الصدقة، فسكت.

وفي رواية: من حواشي الإبل، قال: «فَنِعمَ إذًا» (27).

المبحث الخامس:

ما هو رأي الإباضية في ربا الفضل؟

للإباضية في المسألة رأيان:

قال القطب اطفيش (ت 1332هـ): «فدليل المذهب الأكثر منا أنَّه صلى الله عليه وسلم ذكر في الحديث الذهب بالذهب والفضة بالفضَّة والتمر بالتمر والملح بالملح وغير ذلك على طريق التمثيل والاختصار في الكلام .. كما تقول: تعلم أ، ب، ت، ث، وأنت تريد حروف الهجاء كلَّها .. وكذا المراد في الحديث الإشارة إلى كلِّ متَّحدين فقط، فلو كان التمر بالشعير ربًا لنبَّه عليه، إلاَّ أنَّ الدليل قام من خارج أنَّ الذهب بالفضة والعكس ربا، والبرَّ بالشعير والعكس ربا، وأنَّه لا ربا في ذلك كلِّه إلاَّ بالنسيئة، لأنَّه ابتاع بعيرًا ببعيرين يدًا بيد، ونحو هذا ممَّا مرَّ، وذلك هو الصحيح، ووافقنا عليه أصحاب مالك السيوري، وتلميذه عبد الحميد الصائغ .. قال ابن عبد السلام: وهو الصحيح لخبر «البرُّ بالبُرِّ ربا» الحديث .. ومفهوم العدد لا يفيد الحصر مطلقًا …

ويدلُّ على مذهب الأكثر منا الإجماع على أنَّ كلَّ صنف من هذه الأصناف بصنفه نسيئة ربا، والمتفق أولى من المختلف فيه» (28).

٥١ / ٢٦٨