نظرات في فقه المعاملات عند الإباضية - ربا الفضل نموذجا
الجزء ١ · صفحة ٦٣وذهب آخرون إلى أنَّه محمول على اختلاف الجنسين، فربَّما كان النبيء صلى الله عليه وسلم قد سُئل مبادلة الحنطة بالشعير أو الذهب بالفضة فقال: لا ربا إلاَّ في النسيئة، فسمع قول النبي ولم يسمع ما تقدَّم من السؤال، أو لم يشتغل بنقله. وذهب فريق ثالث إلى أنَّ القصر في الحديث قصرٌ مجازيٌّ وليس حقيقيًّا، كما تقول العرب: «لا عالم في البلد إلاَّ زيد» مع أنَّ فيها علماء غيره، وإنَّما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، فيكون ربا النسيئة الأشد في التحريم والأغلظ في الوعيد هو ربا النسيئة.
رجوع ابن عباس رضي الله عنه عن رأيه:
روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عنه عندما سمع عمر
بن الخطاب رضي الله عنه وابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنه يحدِّثان عن رسول بما يدلُّ على تحريم ربا الفضل، وقال حفظتما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أحفظ. وروى عنه أيضًا أنه قال: «إذا كان ذلك برأيي وهذا أبو سعيد يحدِّثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركت رأيي إلى حديث رسول الله») 22 (.
غير أنَّ هناك من يرى أن
ابن عباس لم يتراجع عن رأيه، فقد قال سعيد بإسناده عن أبي صالح قال: «صحبتُ ابن عبَّاس حتى مات، فوالله ما رجع عن الصرف»، وعن سعيد بن جبير قال: «سألت ابن عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف، فلم يَرَ بِه بأسًا، وكان يأمر به») 23 (.
ومهما كان من أمر الصحابي عبد
الله بن عباس رضي الله عنه، فإنَّ خلافه في المسألة لا يعدو أن يكون راجعًا إلى عدم بلوغه أي شيءٍ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لو بلغه من ذلك ما تردَّد لحظة في التسليم والإذعان، وهذا ما نُرجِّحه، أنَّه تراجع عن قوله في آخر حياته لمَّا تأكَّد من أحاديث النبي في ربا الفضل. ويقول ابن عبد البر: «رجع ابن عباس أو لم يرجع، في السنَّة كفاية من قول كلِّ واحدٍ، ومن خالفها رُدَّ إليها») 24 (.
آراء الإباضية في ربا الفضل:
اختلف الإباضية في ربا الفضل على رأيين؛ منهم من يرى جوازه بناءً على قول الصحابي عبد الله بن عباس، رغم ما قيل في قوله، وعن تراجُعه عن رأيه في آخر حياته؛ فهم يُعرضون عن كلِّ الأحاديث التي وردت في تحريمه رغم ثبوتها في كتب الصحاح وفي «الجامع الصحيح» معتَمَدهم في الحديث. ومن هؤلاء الفقهاء القدامى الشيخ عامر الشماخي؛ فيقول
ـــ بعد عرض الحديث المروي عن ابن عبَّاس ـــ: «وبهذا يقول علماؤنا رحمهم الله، والكاتب يؤيد قولهم. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾»، وقبل ذلك يقول: «من تأمَّل النهي الوارد من الشارع وجَدَه على أربعة أوجُه، ويتفرَّع إلى أكثر من ذلك: أحدهما