مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

نظرات في فقه المعاملات عند الإباضية - ربا الفضل نموذجا

الجزء ١ · صفحة ٦٤

نهي تحريم، والثاني نهيُ تعبُّد وهو الربا») 25 (.

فهل يُعقل أن يكون الربا غير معقول العلَّة، ونحن نعلم أنَّ فقه المعاملات ينبني على العدل وعدم الظلم والاستغلال لأيِّ طرف، فهو معقول العلَّة. حتَّى أنَّ الشيخ

أبا اليقظان في كتابه المدرسي «سُلَّم الاستقامة») 26 (تعجَّب من هذا القول، وكيف يصدر من مشايخنا الأجلاَّء … والتفسير الوحيد لهذا القول أنَّ القائلين به عاشوا في بيئة اقتصادية مستقرَّة تقوم على الاكتفاء الذاتي في مواردها، وعلى تلبية الحاجيات الأساسية الضرورية، وفي اقتصاد مُغلق يكاد ينعدم فيه الحرج على المتعاملين، لذا تمسَّكوا بقول ابن عبَّاس رضي الله عنه.

وقد تبعه في هذا الرأي بدون نقد أو تمحيص أو محاولة الفهم، الشيخُ محمد بن عمرو أبي ستة) 27 (في «حاشية الترتيب» شارحًا فيها الأحاديث التي وردت في الربا في «الجامع الصحيح»، وبعد أن يؤكِّد على صحَّة الأحاديث التي وردت في تحريم

ربا الفضل نجده يقول: «والذي عليه علماؤنا إباحة التفاضل في الصنف الواحد إذا كان يدًا بيد، وحجَّتهم في ذلك حديث ابن عباس "إنَّما الربا في النسيئة"». ولقد ناقشنا رأي ابن عباس واستعرضنا آراء الفقهاء فيه، ممَّا يضعف حجَّتهم ويُوهِن دليلهم.

ومن القائلين بجواز ربا الفضل من المعاصرين: الشيخ محمد بن بابه الشيخ بالحاج، إذ يقول: «أمَّا ربا الفضل الحاضر الناجز كتبديل قنطار تمرٍ جيد رفيع

ـــ مثل "الدقلتنور" عندنا في شمال إفريقيا ـــ بقنطار ونصف، أو قنطارين من نوعٍ آخر من التمر، رديء أو أقل جودة ونوعية من "الدقلتنور" ـــ والكلُّ حاضر ناجز ـــ بدون تأجيل ولا إنسَاء بحيث لا يحتمل فيه عجز طرفٍ عن تسديد ما بذمَّته، ولا تتضاعف الزيادة بمرور الزمن، فهذا ما يعبًّر عنه بربا الفضل، وجمهور الإباضية على إباحته وتجويزه، إذ انتفت فيه علَّة النهي عن الربا وتحريمه») 28 (.

وفرضًا أنَّ علَّة الربا انتفت ـــ كما ذكر الشيخ ـــ فماذا نعمل بـ"ترسانة" الأحاديث الصحيحة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكلُّها تؤكِّد على منع التفاضل بين الجنس الواحد ولو كان حاضرًا بحاضر، بمختلف الصيغ: «إلاَّ ها وهاء» … «إلاَّ مِثْلاً بمِثل» … «ولا تشفوا بعضها على بعض» أي لا تزيدوا «سواء بسواء». وما كان النبيء ليُعدد هذه الصيغ إلاَّ ليؤكِّد على الصورة المحرَّمة من هذه المبادلات، ولأنَّها لم تكن واضحة من قبل في أذهان الصحابة رضوان الله عليهم.

وإذا لم يدرك علَّة التحريم سلفُنا الصالح نظرًا للظروف الاقتصادية التي كانوا يعيشونها، فإنَّ العلَّة الآن واضحة للعيان، بعد أن أصبحت النقود في العصر الحاضر تحتلُّ مكانة مرموقة في المبادلات، وفي صرف العملات الذي يشهد تقلُّبات مستمرَّة، فغدا التقابض في المجلس ضرورة اقتصادية بعد

٦٤ / ٢٦٨