مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

نظرات في فقه المعاملات عند الإباضية - ربا الفضل نموذجا

الجزء ١ · صفحة ٦٥

أن كان حكمًا شرعيًّا.

ومن الجانب الآخر فقد أظهر علم الاقتصاد عيوب المقايضة التي حذَّرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم وحثَّنا على توسيط النقود لإشاعة العدل والقسط بين المتعاملين، وهذا دليل على سموِّ الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وقد لا يفهم علَّة حكمٍ شرعي في زمن وتظهر في أزمنة أخرى.

الرأي الثاني: تحريم ربا الفضل:

استعرضنا رأي القائلين بجواز ربا الفضل عند الإباضية، وكنَّا نظنُّ أنَّه هو الرأي السائد والراجح، وعليه جمهور الإباضية، لكن تبيَّن لنا أنَّ رأي القائلين بحرمته هو الأصحُّ والأرجح، لأنَّ إمام المذهب نفسه يذهب إلى تحريم ربا الفضل مع مجموع الأئمة الفقهاء، وهذا ما سيظهر باستعراض آراء القائلين بحرمته:

أوَّلاً: الإمام جابر بن زيد: إمامُ المذهب الإباضي وواضع أسسه ومبادئه، وقد أخذ العلم عن الصحابة، منهم على الخصوص عائشة رضي الله عنها، وعبد الله بن عباس رضي الله عنه، فقد قال عنه: «أدركتُ سبعين بدريًّا فحويتُ ما عندهم إلاَّ البحر» (يعني

ابن عبَّاس)؛ فقد اغترف العلم من المعين الصافي ولزمه طول حياته، وشهد على أستاذه أنَّه رجع عن رأيه في الصرف والمتعة في آخر حياته؛ يقول الإمام السرخسي في مبسوطه) 29 (: «قال جابر بن زيد: ما خرج ابن عبَّاس من الدنيا حتَّى رجع عن قوله في الصرف والمتعة، فإن لم يثبُت رجوعه فإجماع التابعين من بعده يرفع قوله». وهذا الاختلاف عن علمٍ ومحبَّة، فلم يتعصَّب لرأي أستاذه لمَّا رأى إجماع الأمَّة من الصحابة والتابعين على تحريم ربا الفضل، ممَّا يدلُّ على سعة علم الإمام جابر واستقلاله برأيه.

ثانيًا: الإمام محمد بن محبوب: فهو الإمام التاسع للمذهب حسب ترتيب الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني) 30 (، وقال فيه: «هو النهاية في زمانه نسيجُ وحدِه وفريد زمانه». قوله في الربا على الأصل الذي اجتمعت عليه الأمَّة بخلاف قول عبد الله بن عبَّاس، فآثر السنَّة والجماعة والرأي.

ثالثًا: الشيخ أبو يعقوب يوسف الوارجلاني: فقد أيَّد رأي الإمام محمد بن محبوب وردَّ على قول ابن عبَّاس في المسألة، وقال: «ليس مذهبه في الربا بفرضٍ فيضيق على الناس مخالفتُه») 31 (. وقال عنه قطب الأئمة الشيخ اطفيش منوِّها برأيه في المسألة: «وبه قال الإمام الماهر أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم».

رابعًا: الشيخ اطفيش محمد بن يوسف: يقول تعليقًا على قول الشيخ أبي يعقوب الوارجلاني: «والتحقيق أنَّ مِثلاً بمثل مع التأخير ربًا، إلاَّ القرض فإنَّه غير ربا») 32 (. فقد أيَّد رأيَ الوارجلاني، وحاول التقريب بين هذا الرأي وكلام المصنِّف (أي صاحب النيل)، قائلاً: «ثم ظهر

٦٥ / ٢٦٨