مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر

الجزء ١ · صفحة ٧٥

لأنها تأكل اللحم وتعدو كالسباع، وما شابه الحلال فهو منه مثل الحشرات التي تستخبثها النفوس. وموضع الشبه إنما هو في الأكثر في مأكلها، والدليل على ذلك القول قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [سورة الأعراف: 157]. وعندنا أن الحرام ما حرمه الشرع، وليس بالنظر إلى استقذاره» (23).

الاستقلال الفكري والتواضع:

يتميز الكدمي باستقلاله الفكري مع التواضع في عرض آرائه، ومن ذلك اعتماده عبارة: "ومعي"، وأحيانا يقول "وعندي"، أو "وفيما معي"، أو "وفيما عندي". وهي عبارات دالة على استقلالية في الفكر، وتواضع في الموقف، وإعمال للرأي في فهم الأدلة والنصوص، أو آراء الفقهاء السابقين.

الأدب مع المخالف واحتمال العذر له:

لقد كان الكدمي رئيس المدرسة النزوانية المعتدلة في موقفها من موسى بن موسى

وراشد بن النضر. عند عزلهم الصلت بن مالك، فلم يتبرأ من موسى وراشد، بل احتمل لهما عذرًا، خلافا لموقف ابن بركة المتشدد الذي اعتبر القضية دينا، وألزم الناس فيها باعتقاد البراءة. وهو تضييق لأمر كانت للناس فيه سعة.

اعتماده العدل من الأقوال والآراء:

«ولا يعتمد قول قومنا ولا يقبل منه إلا ما وافق العدل، ولا فرق بين قول القائلين من الجميع. فمن وافق قوله العدل فهو العدل، وإياه نعتمد وبه نأخذ، وإليه نستند، ومن خالف قوله العدل فلا يجوز قبول غير العدل فيه، … ولا نقول إن أحدا من المسلمين من العلماء المهتدين يقول في الدين بغير ما وافق العدل، ولا ما يخالف العدل، إلا أن يكون منه ذلك على وجه الغلط أو زلة يتوب منها تحريف (24) معنى ما قيل عنه ممن نقل عنه ذلك. أو في الأثر الذي جاء عنه في ذلك.

وقد يكون من علماء قومنا الصحيح من القول، وما يوافقون فيه أصحابنا في معنى الدين والرأي.

ولا يردّ على أحد من الخليقة شيئا [كذا] من العدل، ولا يجوز ذلك ولا يقبل من أحد من الخليقة ما يخالف العدل، ولا يجوز ذلك من الدين فيما يجوز أحكامه أحكام البدع وبتحليل الحرام وتحريم الحلال، وما يكون حكمه حكم الدعاوى. فكل ذلك غير جائز قبول الباطل منه، ولا ردّ حق مما يخالف حكم العدل بعلم بباطل ذلك أو بجهل» (25).

منهج الكُدمي الأصولي:

كما يؤكد الشيخ أحمد الخليلي أن الكدمي كان في ما دونه من الفقه يدور مع الدليل، عميق النظر دقيق الفكر، يرجع إلى الأصول المجمع عليها، وإلى جانب من الأصول المختلف فيها كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة واستصحاب الأصل (26). وإن لم يكن شغوفا بالمصطلحات التي درج عليها علماء الأصول.

٧٥ / ٢٦٨