القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر
الجزء ١ · صفحة ٧٦وكان يعتمد القرآن بالدرجة الأولى في اجتهاداته، ثم السنة النبوية لا يتجاوزهما إلى آراء الرجال ولو كانت آراء جمهور العلماء، ومن ذلك رأيه في من دخل المسجد والإمام يخطب للجمعة، فقد اعتمد السنة الصحيحة في ذلك وأنّ عليه أن يركع ركعتين، وأن لا مَعْدِلَ عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قول غيره من الناس.
ويتجه إلى القرآن يستنبط منه الحكم ويرجح به عند اختلاف الآراء، فقد قال بلزوم الغسل من الجنابة للمرأة، سواء كانت جنابتها في يقظة أو منام، لثبوت اسم الجنابة عليها، ولدلالة النص القرآني ﴿فَلْيَنْظُرِ الاِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [سورة الطارق:5 - 7]. وفي آية أخرى قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الاِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ اَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [سورة الإنسان:2]. وفسر الأمشاج بالمختلط، «وهو في معنى اختلاط نطفة الرجل ونطفة المرأة، وهما الأبوان، وقد سماه الله كله خلقه، وسمّاه الله كله ماء دافقا … ولما أطلق اسم الجنابة بهذا المعنى كان كلاهما جنبا، بهذا المعنى المتفق عليه، وهو متفق في الاسم والمعنى من الرجل والمرأة على سواء» (27).
كما يرى وجوب صلاة الجماعة على الأعيان، وأنها ليست فرضا كفائيا كما يذهب إليه جمهور العلماء، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ» (28). وقال بأن هذا التهديد دليل على وجوب الجماعة على الأفراد، وأن إقامة النبي لها مع أصحابه لم يكن رافعا للوجوب عنهم، رغم قلة المتخلفين عنها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما عني بدليل القياس واعتمده في ترجيح بعض الاجتهادات، كقوله بوجوب غسل واحد على المرأة التي اجتمع عليها أكثر من حدث، قياسا على وجوب غسل واحد على من تعددت جنابته، وعلى الإجماع أن الوضوء يرفع كل الأحداث التي سبقته، مهما تعددت وتنوعت (29).
وفي موضع آخر ينص الكدمي على التمييز بين الفرائض المختلفة، فمن وجب عليه الوضوء لا يجزيه عنه الاغتسال للجنابة «ولو اعتقد الوضوء في الغسل لم يجزئه، وعليه أن يتوضأ على الانفراد، لأن الفريضة لا تدخل في الفريضة، على بعض ما قيل، وذلك على قول من يقول: عن غسل الحيض لا يدخل في غسل الجنابة، وأن عليها غسلين، غسل للجنابة وغسل للحيض» (30).
ويذكر الشيخ الخليلي أن الكدمي يرى الاستدلال بالأصل المختلف فيه، خلافا لابن بركة الذي يقول: «إن القياس لا يكون إلا على أصل متفق عليه».
كما أن له اجتهادات قامت على القياس الخفي في مسائل عديدة (31).
كما كان يعنى كثيرا بوزن الاستدلالات عندما يستدل بالقواعد الأصولية المتعارف عليها. من مثل تقديم الآيات ذات الدلالة القطعية على ذات الدلالة الظنية، ويقدم الخاص على العام، ودخول