مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر

الجزء ١ · صفحة ٧٧

النساء في عموم خطابات القرآن الواردة بصيغة الذكور، كخطاب المؤمنين وأشباه ذلك إلا ما قام الدليل على اختصاصه بالرجال، كما قد تختص النساء بخطاب لا يدخل فيه الرجال. ومن توظيف هذه القاعدة لزوم غسل الجنابة للرجال والنساء، لورود الآية مصدّرة بلفظ "الذين آمنوا" في قول الحق تبارك وتعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ [سورة المائدة:6]. «أن الخطاب عام يشمل الرجال كما يشمل النساء، ولأن خطاب الشارع الذي يلزم الرجال بأمر من أمور الشريعة يلزمهن أيضا، ما لم يرد دليل على خصوصيته للرجال دون النساء» (32). وضرب لذلك أمثلة من آي القرآن (33).

ويرى أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، ففي باب الاستبراء قال: «إذا كان الاستبراء مأمورا به، ولأنه من الأمور المطلوبة لاستكمال الطهارة، فيكون عدم الاستبراء منهيا عنه، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده» (34).

وفي باب الأدلة الاجتهادية نجد الكدمي يعنى عناية واضحة بالمصالح المرسلة، وبقاعدة الاستصحاب عناية بالغة، وتجلت في كثير من آرائه الفقهية، التي تعد في الحقيقة قاعدة فقهية أكثر منها قاعدة أصولية. وسنعرض لبعض نماذجها التطبيقية قريبا.

تخريجات الكُدَمي:

هذا عن منهجه الأصولي، أما تخريجاته الفقهية فيقول عنها الشيخ أحمد السيابي: «وقد اعتبرت تخريجاته من حلقات تطور التشريع الإسلامي الإباضي، وتلك التخريجات هي من باب تخريج الفروع على الفروع، فهو بعد أن يذكر آراء السابقين يظهر له من ذلك رأي آخر، وذلك معنى التخريج عند أبي سعيد … ويدخل هذا في مسألة جواز إحداث قول ثالث بعد الاختلاف فيها على قولين» (35). وهي مسألة أصولية خلافية.

وقد قام جدل طويل بين الأصوليين حول هذه القضية، بناء على أن اختلاف السابقين على قولين مانع من إحداث قول ثالث، وهو رأي غير سديد لأن حجية الإجماع قائمة في حال الاتفاق، أما الاختلاف فلا يحمل دلالة ملزمة تمنع اللاحقين من إحداث قول آخر بل إن هذا الاختلاف مسوّغ لإحداث هذا القول لا مانع منه.

ولذا فإن الراجح جواز ذلك لأن الخلاف الأول ليس إجماعا على منع إحداث قول ثالث، ولا يحمل مفهوم الإجماع ولا حجيته (36).

القواعد الفقهيَّة عند الكدمي:

بعد إيضاح منهج الكدمي الأصولي وتخريجاته الفقهية، نعرج على القواعد الفقهية وتطبيقاتها، وهو

٧٧ / ٢٦٨