مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر

الجزء ١ · صفحة ٧٨

المجال الرئيس لهذا البحث. ومن المناسب أن نمهد له ببيان موجز لمفهوم هذه القواعد وأهميتها، ولمحة عن تطورها، حتى يتجلى دور الإمام الكدمي في هذا الميدان، وتكتمل صورة هذا الإسهام في الأذهان.

القواعد الفقهية، مفهومها، وأهميتها، وتطورها:

القاعدة في الاصطلاح «قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها» (37). أو هي «قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها» (38).

والقواعد الفقهية هي قضايا كلية منسوبة إلى الفقه، لتناولها أحكاما فقهية، بيد أن هذه القواعد الفقهية لم تكن محل اتفاق في تعريفها رغم وضوح معناها، ونكتفي بتعريفين لها:

أولها أنها «حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته» (39).

وعرّفها الشيخ مصطفى الزرقاء بأنها «أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية، تتضمن أحكاما تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها» (40).

فميزتها إيجاز عبارتها وغزارة دلالتها، إذ تشمل أحكاما كثيرة قد تتوزعها أبواب فقهية عديدة. وقد تصاغ في كلمتين أو ثلاث، من مثل قاعدة: "الضرر يزال"، وقاعدة "الأمور بمقاصدها".

والملاحظ أن هذه القواعد ليست مطلقة بل ترد عليها الاستثناءات، ولذلك اعتبرت قواعد أغلبية، إذ يُعدل عنها حين تقتضي المصلحة وتحقيق العدالة هذا العدول، ونظير ذلك ما يقتضيه الاستحسان الذي يخالف الأصول أو القياس.

وأهمية القواعد تتجلى في كونها تصوّر المبادئ الفقهية وتكشف عن مسالكها، وتضبط فروع الفقه الكثيرة بضوابط وتجعلها صالحة للحفظ، وميسورة للتطبيق، وهي بعد ذلك موجّه لعمل الفقيه والقاضي في معالجة النوازل المتعددة في حياة الناس.

يقول الشيخ مصطفى الزرقاء: «ولولا هذه القواعد لبقيت الأحكام الفقهية فروعا مشتتة، قد تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بها في الأفكار، وتبرز فيها العلل الجامعة، وتعين اتجاهاتها التشريعية، وتمهّد بينها طرق المقايسة والمجانسة» (41).

ولكن لا يمكن الاعتماد على هذه القواعد مجردة دون مراعاة ما يرد عليها من استثناءات، فإنها أحكام أغلبية كما سلفت الإشارة، ولذلك تقرر أنه «لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط، لأنها ليست كلية بل أغلبية» (42).

وجاء في شرح مجلة الأحكام العدلية: «فحكام الشرع ما لم يقفوا على نقل صريح لا يحكمون بمجرد الاستناد إلى قاعدة واحدة من هذه القواعد» (43).

وباستثناء بعض القواعد التي أساسها نصوص الوحي وأصول التشريع، فإنه لا يصح الاستناد إلى هذه القواعد دون النظر إلى ما يتناول القضية أو المسألة من نصوص أو أدلة أخرى. ولذلك كانت هذه القواعد دساتير للفقهاء لا نصوصا للقضاء (44).

٧٨ / ٢٦٨