مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر

الجزء ١ · صفحة ٧٩

ولم توضع هذه القواعد جملة واحدة، بل تنامت الكتابات فيها عبر مسيرة الفقه الإسلامي، وبخاصة في عصور الازدهار، ونهضت على أيدي كبار فقهاء المذاهب من أهل التخريج والترجيح، استنباطا من دلالات النصوص التشريعية العامة، ومبادئ أصول الفقه، وعلل الأحكام والمقررات العقلية (45).

ولا يُعرف بالتحديد تاريخ كل قاعدة بعينها ومن وضعها، سوى ما كان منها نص حديث نبوي، كقوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» (46). وأغلب القواعد يجري استحسان عباراتها من قبل الفقهاء، بعد أن تمر عبر مراحل التداول والصقل والتحوير، ثم تعتمد قاعدة وتدوّن، وقد شُرع في جمع هذه القواعد في مؤلفات مستقلة في مرحلة لاحقة، بعد أن كانت متناثرة في مدونات فقه المذاهب المختلفة. وإن حاز الفقه الحنفي قصب السبق في تدوينها وتحريرها، وتبادل الفقهاء الاستفادة منها بعد ذلك (47). وإن كان أقدم ما وصل من تلك المدونات رسالة أبي الحسن الكرخي الحنفي، المتوفى سنة 340هـ. وتطورت مؤلفات القواعد، وبخاصة في القرن السابع، فكان كتاب "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" للعز بن عبد السلام (المتوفى سنة 660هـ) و"الفروق" لشهاب الدين القرافي (المتوفى سنة 684هـ).

ثم بلغت حركة التأليف ذروتها في القرنين الثامن والتاسع الهجريين. فرأينا كتب "الأشباه والنظائر" لتاج الدين السبكي (توفي سنة 771هـ)، وجلال الدين السيوطي (توفي سنة 911هـ) (48).

ولقد أسهم علماء الإسلام من مختلف المدارس الفقهية في إثراء القواعد الفقهية تدوينا وتحريرا وشرحا وتنقيحا. بيد أن نصيب الإباضية منه كان شيئا يسيرا، وإسهامهم فيه كان مغمورا، مقارنة بالموسوعات الفقهية العديدة التي دونوها، إذ لم نعثر حسب اطلاعنا على مؤلف مستقل في القواعد عندهم.

وإن أولى ابن بركة الموضوع عناية من خلال تأصيله للمسائل الفقهية في كتابه الرائع "الجامع"، ولم يدرك شأوه اللاحقون في المشرق، كما وجدنا الاهتمام نفسه لدى علامة جبل نفوسة الشيخ عامر الشماخي في كتابه "الإيضاح"، وبلغ توظيف هذه القواعد درجة عالية لدى الشيخ عبد العزيز الثميني في كتابه "النيل"، وواصل المسيرة قطب الأئمة امحمد اطفيش في موسوعته "شرح النيل"، كما أورد الإمام السالمي القواعد الفقهية الخمس الكبرى في "شرح طلعة الشمس"، وذكر بأنها أساس الفقه لدى المدرسة الإباضية، حيث قال:

أما اليقين فهو لا يزيله

إلا يقين مثله حصوله

وإنما الأمور بالمقاصد

والضر مرفوع بلا معاند

٧٩ / ٢٦٨