القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر
الجزء ١ · صفحة ٨١وهذه تتصدر القواعد الخمس الكبرى، وتعتبر أصلا لكثير من القواعد الفرعية المتصلة بخاصة بالمقاصد، بل هي أم قواعد المقاصد في الشريعة الإسلامية، وأساسها الحديث النبوي الشريف "إنما الأعمال بالنيات" (53). وهو حديث جليل القدر عظيم الأثر في كل أفعال المكلفين (54)، لأن النية تميز العبادة عن العادة، وتميز بين درجات العبادة من فرض وسنة ونافلة، فتختلف أحكام التصرفات بناء على المقاصد و النيات، وإن اتفقت في المظاهر والتجليات.
وقد تجلى توظيف الكدمي لهذه القاعدة في مسائل عديدة، نقتصر على نماذج لهذه المسائل:
تحديد نية الاغتسال للجنابة:
وتحديد نية الاغتسال أمر ضروري لإجزائه وصحة صلاة صاحبه، فمن أصابته جنابة بالليل ولم يعلم بها حتى أصبح، فقام فاغتسل من حر أراد أن به أن يتبرّد، أو غير ذلك من أسباب أخرى، ولم ينو بذلك الغسل من الجنابة، ولم يعلم بها حتى اغتسل، ثم صلى صلاة الفجر، فلما كان النهار علم بها. فهذا لا يجزئه غسله الأول، وعليه إعادة الغسل بالنية للجنابة، وإعادة الصلاة، لأنه لا يصلح ذلك إلا النية (55). وقد ذكر قولا لابن محبوب بإجزاء الغسل الأول. ثم فرق الكدمي بين علم هذا الرجل بالجنابة قبل الاغتسال ولكنه نسيها، فهذا معذور يترخص معه، فيجزيه الاغتسال الأول، أما إذا لم يعلم بها حتى اغتسل فلا يجزئه، وعليه غسل جديد (56).
وفي باب الزكاة، «لو أن رجلا تصدق بخمسة دراهم على الفقراء، ثم نظر فإذا له مائتا درهم قد حالت حولاً، لم يكن ذلك يجزئه عن الزكاة» (57)، لعدم توفر القصد إلى أداء هذه الفريضة، رغم حصول مؤداها ظاهرا من إخراج قيمة الزكاة المفروضة.
تحول النية في ظروف خاصة:
إذا استحال تحقق النية التي قصدها المكلف تحولت إلى ما يمكن في نظر الشرع، وذلك مثل نية الصيام، كمن أصبح صائما يوما من رمضان يعتقد ذلك نافلة، وهو عالم بأنه من شهر رمضان، فإن رأي الكدمي أن نيته تستحيل من النافلة إلى الفريضة، ولا بدل عليه، لأنه صام ذلك اليوم على أتم الوجوه. ولن تحوله نية عارضة ما دام قد أتى بواجب الصيام. وثمة من يرى عليه البدل لاختلاف النية، وهي لا تتحول تلقائيا، بل باعتقاد الإنسان (58).
التراضي لا يُبيح الحرام:
وهذا يندرج تحت قواعد مقاصد المكلفين. ومفادها أن يكون قصد المكلف موافقا لقصد الشارع، وإلا كان عمله باطلا لبطلان قصده، سواء كان ذلك فعلا منفردا، أو اتفاقا أو شرطا بين اثنين في عقد أو معاملة من المعاملات.
ولذلك نص الكدمي أن كل شرط يخالف أصول الشريعة باطل. وهو معنى الحديث الشريف: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (59).