القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر
الجزء ١ · صفحة ٨٣اليقين، فإذا نظر ولم ير شيئا، أو لم يخرج منه شيء فلا يعتد بالشك في ذلك» (65).
وعرض المسألة نفسها في موضع آخر وعقب عليها أنه «ليس عليه النظر ولا اللمس حتى يستيقن أنه خرج منه شيء، لأن الأصل أن الطهارة قائمة حتى يثبت لديه بالنظر أنه قد خرج منه شيء» (66).
وفي باب الطهارات دائما ذكر عروض النجاسة على الطهارة، فتظل كذلك حتى يغيرها سبب إلى مخرج الطهارة، ولو كان ضعيفا أو محتملا، «فإذا احتمل ذلك فالطهارة أولى به في معنى الحكم، جريا على اتباع الحكم أن الأصل الطهارة ما لم يدخل عليه من الإشكال في معنى ذلك ما يخرجه من معنى الاطمئنان أن ذلك من الرطوبة التي تأتي بطبيعتها من الطهارات، لأنها الأصل، والنجاسات عارضة» (67).
وفي مسائل الجنابة، إذا كان الرجل جنبا ثم قام فصلى صلاة واحدة أو عدة صلوات ثم هو لم يتيقن من غسله للجنابة، فالحكم أنه مغتسل حتى يعلم يقينا أنه لم يغتسل. إذا كان قد تعود الصلوات ويدين بوجوب غسل الجنابة، ولا يعرف عنه عادة تركه. ويخرج هذا على معنى الاطمئنان، فالوضوء أمر معتاد لا يغفله الإنسان في أكثر الحالات، وليس غسل الجنابة كذلك عند الكدمي. فعلمه بالجنابة يقين، وهو على يقينه حتى يعلم أنه قد اغتسل، لأن اليقين لا يزول بالشك (68).
وذكر الاختلاف في أكل لحم الدجاج الذي يقتات على الأقذار والنجاسات، وقضى بأن الحكم قائم على الاسم، فإذا اعتبرناها جلاّلة كانت نجسة وحرم أكل لحمها، وإن لم تكن جلاّلة بقيت على أصلها من حلّ أكل لحمها كسائر الطيور الجائز أكل لحمها. «وإن كان من جهة الاسترابة فالاسترابة لا توجب تحويل الأحكام» (69).
وفي باب الحقوق؛ إذا علم أنه قد وجب عليه شيء من حقوق العباد وأشباهها، ثم لم يعلم بعد ذلك هل هو قام بأدائها أو لم يقم بذلك، فحكمه وجوب أدائها لثبوت هذا الحكم في حقه، ولم يكن قد خرج منه بيقين واطمئنان. وكذلك الحج والزكاة من حقوق الله (70).
وإن كان ثمة تفصيل دقيق وتفريق بين أنواع الواجبات والحقوق، ما يتكرر منها في اليوم أو السنة، وما لايتكرر، وما يعذر في تأخيره وما لا يعذر، وأثر ذلك على الشك واليقين في أدائه. والضابط فيها إجمالا: «أن كل شيء من الأِشياء وأمر من الأمور في دين الله تبارك وتعالى، وكل حكم في حلال ما أحل الله وحرمة ما حرم، وكل حق من الحقوق المبينة في شرع الله سبحانه، وكل حكم من أحكام الشريعة، جميع هذا كله جارٍ على أصوله المبينة عليه الموضحة له من الكتاب والسنة وإجماع الأمة. فإذا ثبتت هذه الأحكام فهي ثابتة حتى يزيلها أصل مثلها، فكل حكم منها ثبت فيظل ثابتا على أصوله ولا يزول إلا بحكم ثابت مثله يزيله. وإذا زال حكم من أحكام هذه الحقوق فأصوله زائلة حتى يثبتها أصل مثلها» (71).