القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر
الجزء ١ · صفحة ٨٤قاعدة الاستصحاب:
هذه القاعدة حاضرة في كتاب المعتبر بصورة بارزة لا تكاد تخلو منها مبحث من مباحث الكتاب، وهي جلها في باب الطهارات.
ومستند هذه القاعدة حديث النبي (فيمن شك في خروج الريح أنه لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا (72).
ومن نماذجها:
قوله في الطهارات: «ومعى أنه يخرج أنه لو علم صاحب النجاسة بنجاسة في ثوبه أو بدنه كان على هذا يخرج معناه، وإن لم يعلم فالنجاسة بحالها في الحكم، حتى يعلم طهارتها بحكم أو طمأنينة. ولا يلحق ذلك في الصبي بحال، لأن الصبي غير متعبد بالطهارة من النجاسة، فلا طهارة عليه. وما ثبت فيه من النجاسة فهو في الحكم نجس حتى يعلم طهارتها» (73).
وقال: «كل ما صح أنه نجس فاسد، فهو فاسد نجس في الحكم حتى تصح طهارته بحكم أو بما لا شك فيه بحكم الاطمئنان، إذا غلب حكم الاطمئنان على معاني الحكم من طهارة ذلك. وكل شيء صحت طهارته وثبتت فيه فهو في الحكم طاهر حتى تصح نجاسته بما لا يشك فيه من حكم أو اطمئنان» (74).
وقال مؤكدا هذا المعنى: «وعلى الأصل المحكوم به على أن النجاسة بحالها من حيث ما كانت، فمتى مس موضعها شيء من الطهارة ما لم يعلم طهارتها فهو نجس حتى يعلم طهارة ذلك بالحكم. فهذان هما الأصلان اللذان عليهما العمل» (75).
وفي معرض الخلاف حول طهارة الدجاجة التي ترعى الأقذار والنجاسات، أورد قول البعض إنها مسترابة، لرعيها الأقذار، ولكن «لا يتحول بذلك حكمه في روثه ولا سؤره حتى يكون جلاّلا لا يخلط مع النجاسة غيرها من الطهارات. وكل شيء على أصله من الطهارة حتى تصح نجاسته، ومن النجاسة حتى تصح طهارته، وما كان أصله نجسا فهو نجس إلى الأبد» (76). وضرب لذلك مثلا بالسبع والخنزير فلو حبسا عن النجس وأطعما الطاهر فقط «لم يكن ذلك محوّلا لحكمه عن التحريم إلى التحليل، ولا إلى طهارة خبثه» (77).
أما الدجاج فأصله طاهر بإجماع، وجائز أكل لحمه، «فلا نحب أن نعدل حكمه عن سائر الطير الطاهر إلا بشاهد ودليل، وإن لحقه فساد خزقه من طريق الاسترابة على غير ما يشبه معاني الأصول في حكمه معنا، وما يشبهه من معاني الأصول إثباته في جملة الطير الطاهر لحمه من الرواعي، لا من النواشر ولا من النواهش، ويلحق كلاًّ اسمه وحكمه» (78).
الأصلُ بقاءُ ما كان على ماكان:
«وكل شيء يكون على أصله فهو ثابت فيه حكمه، سواء كان على أي وجه من الوجوه من طاهر أو من حلال، حتى يصح فساده أو يصبح ليس حلالا بحال من الحال» (79).