القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر
الجزء ١ · صفحة ٨٧فيخرج عندي كل ذلك على معنى الحكم في جميع ذلك أنه على طهارته، لأن الأصل في الأحكام أن الأشياء على طهارتها، ما لم يثبت بالنظر غير ذلك. وعلى ذلك فإنه على معنى حكم الطهارة من وضوء أو غيره حتى يصح معه من ذلك ما لا يشك فيه. وليس عليه إذا أحس من ذلك معارضة الشيطان بمثل ذلك ولم يستيقن على شيء أن يشغل نفسه في ذلك بنظر ولا مس، وأحب أن يمضي على ما هو عليه حتى يستيقن» (88).
تطبيق مبدإ الاستصحاب في الولاية والبراءة:
لم يكتف الكدمي بتطبيق هذه القواعد على المجال الفقهي، بل توسع إلى موضوع العقيدة وقضايا الولاية والبراءة. وذلك أمر منطقي، فإن هذه القواعد تعتبر مبدءًا عاما في الاستدلال، ومنها قاعدة الاستصحاب: أي بقاء ما كان على ما كان حتى يرد سبب يغيره، إذ هي قائمة على أسس عقلية مشتركة بين الناس يستندون إليها في حِجاجهم ومناظراتهم، ويبنون عليها أحكامهم واستنتاجاتهم.
«فإذا ثبت معه أو عليه ولاية أحد بالرفيعة من جميع من قد ذكرنا، فلن يتحول عن ذلك، ولا يجوز له ترك ما لزمه من ذلك، حتى يصح معه ضد ما رفعا إليه من ولاية هذا الولي من حكم الحقيقة فيمن صحت فيه أحكام الحقيقة، أو في أحكام الظاهر بما لا يشك فيه. وما لم يصح معه صدق ما يثبت له وعليه من ولاية وليه. فكل هذا من برئ من وليه هذا الذي قد صحت معه ولايته بحق الحكم، فإنه مباح له البراءة ممن برئ من وليه هذا من بعد أن يعلم المبترئ من وليه أنه يتولاه، ولا يعلم أنه تولاه بغير الحق، واحتمل ولايته بوجه من وجوه الحق» (89).
القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير (90):
تحدث عن وجوب التبول بعد نزول المني من جماع أو احتلام، لإراقة ما في مجرى البول من بقية المني، وإذا ترك البول لعذر، ثم خرج منه المني بعد ذلك، فيرى عدم وجوب الغسل عليه، «لأنه لم يفرط في استبراء المني كما يستبرئ صاحب البول في بوله، ولأنه قد كان له العذر في أنه لم يجد البول عند الغسل، والمعذور مقبول عذره ولا يلزمه حكم التفريط على أي وجه من الوجوه، ولا في أي معنى من المعاني، لأن غسله من الجنابة تم على قدر احتياطه دون تفريط منه» (91).
الضرورة تقدر بقدرها وترتبط بموجبها:
«ومعى أن الحلال الطاهر في الأصل بكل حال ما بقي له اسم غير مستهلك في النجاسة، ذلك لأنه أولى من المحرمات في الأصل، ويحيي المضطرُّ من ذلك نفسه دون المحرمات في الأصل عندي. ما لم يغلب المحرم على المحلل فيستهلكه. فيصير حكمه حكمه، وينتقل إليه معناه واسمه، فهنالك يكون عندي مثله، فإذا صار مثله فبأيهما شاء أحيى نفسه إن كان مما يحيي ويعصم، وهو من النجاسات، وأما إذا كان مما لا يحيي ولا يعصم وهو من النجاسات التي أجمعوا عليها ولا يوجد عندهم اختلاف في نجاستها، فلا يجوز في حال اضطرار ولا غيره. لأنه إنما جاز الانتفاع بالمحرم لإحياء النفس به، فإذا كان هذا النجس لا يعصم ولا يحيي فهو على حاله من التحريم، ولا يجزيه أية