القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر
الجزء ١ · صفحة ٩٤ورد في كلام الكدمي ما يدل على اعتماد هاتين القاعدتين، في باب الطهارات، -وهو غالب ما نجا من كتاب المعتبر- إذ يقول: عن الأشياء إذا تنجست ولم يوجد وجه لتطهيرها فإنها تدفن «ولا يطعم شيء منها الدواب، ولا أحدا من الناس صغيرا ولا كبيرا، ولا بياع، ولعله يخرج في معاني ذلك أنه لا يوهب، إلا أنه إذا ثبت أنه لا ينتفع بها بوجه بطل بيعها وهبتها. وكانت لا تقع عليها الأملاك، وهي باطل متروكة» (127).
ثم ذكر قولا بجواز إطعامها الدواب، ورد عليه قائلا: «إن ذلك إثم محرم، ولا يطعم المحرم أحدًا من الخلق، وأنه وإن كانت الدابة ليست آثمة، ولا النجاسة عليها محرمة، فإن الإنسان محجور عليه الإثم والحرام، أن ينتفع به أو أن يعين على الانتفاع به» (128).
وذكر ثانية القول بجواز إطعامها الحيوان، أو الأطفال الصغار، «ومن لا إثم عليه، لأن ذلك يقع لهم موقع النفع، وليس معي عليهم فيه مضرة، ولا إثم عليه، ولا يبيعه البالغ ولا ينتفع بثمنه … وإذا ثبت أنه لا يبيعه فلا يبيعه لأهل الذمة ولا لأهل الإسلام لأن ذلك مخالط للحرام، ولا يجوز بيع الحرام والحلال بصفقة واحدة، ولأن بيع الحلال والحرام في صفقة واحدة كله حرام» (129).
لا ينبني على الفاسد حكم:
ذكر اختلاف الأقوال في حكم الوضوء إذا بقي على جسد المتوضئ نجاسة، ولم يمسها بيده، فيغسلها بواسطة أو يغسلها عنه غيره. فهل ينتقض وضوؤه في هذه الحال؟ فمن قال بصحته قال بعدم نقض وضوء من تنجَّسَ في غير مواضع وضوئه، وقال من قال: إن تجديد الوضوء على النجاسة المتقدمة أشد، ولا يجوز الوضوء إلا بعد طهارتها، «لأن الترخيص في بقاء الوضوء إذا عرض له النجس أكثر من بناء الوضوء على نجاسة، وذلك حملاً على أن الأصول لا تنبني على فاسد» (130).
التعليلُ وقياس الشبه في النجاسات:
ذكر أن حجة من قال بنجاسة فرث الحيوان قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ [سورة النحل: 66]. فكان الفرث والدم مشتبهين في هذا المعنى وهو النجاسة.
ومن قال بطهارته فسر الآية بأن اللبن يخرج من بين شيئين مختلفين، كل واحد منهما لون، واللبن خاص مخالف لهما في اللون والطعم (131).
وفي موضع آخر ذكر نجاسة بول الإنسان وسائر الحيوان، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [سورة النحل: 5] معقبا بقوله: «ولا تكون المنافع مضارًّا، ولولا ما قد سبق من قول أصحابنا في اتفاق معاني قولهم على فساد بول الأنعام لأشبه أن تكون كلها في حياتها وبعد ذكاتها منافع. وطاهرة في معاني ثبوت طهارتها، في معاني الإجماع إلا بكتاب الله في جميعها وهو الدم. ويشبه ما اتفقوا عليه بالطهارة منها بإذنهما جميعا من غيرها، ولم يوجد من قولهم ما يشبه هذا في غيرها. وإنما وجدناهم يفسدون الروث في موضع ما يفسدون البول من