مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر

الجزء ١ · صفحة ٩٥

جميع الدواب البرية من ذوات الدماء الأصلية، إلا في هذه الدواب التي تكون في الرياح، والبحر ذكية. فوجدناهم قد اتفقوا على التفريق بين أبوالها وأرواثها وأبعارها، فطهروا أبعارها وأرواثها وأفسدوا أبوالها من الأنعام وما أشبهها، والخيل والبغال وما أشبهها.

وأما في القياس فقد يلزم أن يكون مثلا غيرها من الدواب من ذوات الأرواح البرية والدماء الأصلية من جميع ما يكون بالذبح تذكية، ما عدا المحرمات الأصلية، كانت ذكية أو غير ذكية في شبه ما لحقها في اتفاقهم من فساد أبوالها وأرواثها سواء، كما لا فرق بينها وبين غيرها من الدواب بالاتفاق في فساد أبوالها وأرواثها، فتكون هذه كلها طاهرة.

ولكنا ندع القياس ونتبع معاني اتفاقهم على الانقياد في إثبات الدين رأيا ولا الدين رأيا، بوجه من الوجوه جهل ذلك، لأن ذلك ما لم يأذن به الله» (132).

كما نجد مثالا آخر لقياس الشبه: وهو قرد البحر وخنزيره، إذ يقول فيهما: «ومعي أنه قد قيل على معنى الاشتباه: إن قرد البحر وخنزيره وما أشبه منه المحرمات من ذوات البر، لحقه التحريم بالشبه والاسم، وإن كان ذلك ليس بصيد.

وكذلك ما أشبه المكروهات من ذوات البرية لحقه معنى الكراهية، وما أشبه المحللات من ذوات البر كان محللا.

وإذا ثبت هذا القول في هذه المعاني أنه إنما يلحقه معاني الشبه في التحريم والكراهية والتحليل، لحقه عند ذلك من معاني الشبه في الذكاة وفساد الدم ومعاني الميتة، لأن ما تشابه بمعنى هذا تشابه في الأحكام فيما سواه» (133).

الشَّبه لا يستلزم تساوي الأحكام ضرورةً:

ثم ذكر في مقام آخر أن الشبه الصوري لا يقتضي القياس بالضرورة، لاختلاف موجب الحكم بين الصور المتشابهة، ومثّل لذلك بالنطفة الميتة، فإنها لا تستلزم الغسل مثل النطفة الحية الدافقة، وكذلك دم الاستحاضة لا يستلزم أحكام دم الحيض، رغم التشابه بينهما. إذ «ليس كل ما أشبه الشيء بمعنى أنه أشبهه في جميع المعاني، والنطفة الميتة أشبهت المنيَّ في ثبوت الاستنجاء ونقض الوضوء، ولكنها لا تشبهه في ثبوت الغسل، ولا في معاني لزوم الأحكام في البلوغ. كما أن دم الاستحاضة يشبه دم الحيض في نقض الوضوء، ويشبهه أيضا في الاستنجاء منه. وكذلك يشبهه في الاغتسال عند قول بعض من قال بذلك، وبعد ذلك لا يشبه دم الاستحاضة دم الحيض في جميع الأحكام» (134).

الشهادة حُجَّة ظاهرة:

يقول: «وإن رد الحاكم شهادة الحجة من العدول بعد قيامها لموضع ما قد غاب عنه من صدقها وكذبها، واحتمل عنده من ذلك بالحق، كان بذلك للحق من المعطلين، وكان بذلك عند الله في

٩٥ / ٢٦٨