07 الشيخ بالحاج قاسم - محطات في تاريخ بلدة القرارة - الحلقة الثانية
الجزء ٨ · صفحة ١٢٧والإرشاد في مسجد القرارة، إذ سيحتاج بلا شك إلى كتب ومصادر يستقي منها معلوماته ويستزيد منها علما، ويعود إليها حينما يشكل عليه أمر ما، ونرجح أن يكون قد جلب معه إلى القرارة عددا من الكتب بعد فراغه من الدراسة.
ثم لتولد فكرة المكتبة على يد الشيخ بالحاج بن كاسي، فيؤسسها ويضع قواعدها من خلال ما ورث من كتب والده، ثم من خلال ما جمع هو من كتب وأضافها إلى رصيد والده، ثم من خلال ما قام بنسخه بيده وبيد من استعان به من النساخ، ثم ليأتي من بعده ابنه الشيخ قاسم ليواصل المسيرة فيرتب المكتبة ويفهرسها حسب أبواب العلم وفنونها، وليضم إليها العشرات من الكتب ولينسخ العشرات الأخرى؛ حتى تصبح مكتبة مكتملة في عهده تضم في رفوفها العشرات من المخطوطات المهمة وأمهات الكتب في شتى فنون العلوم الشرعية والعربية من فقه وتفسير وعقيدة وسيرة وحديث وأصول ولغة وتاريخ لأكابر علماء الإسلام وعلماء الإباضية(1).
يصف الشيخ إبراهيم أبو اليقظان جهود الشيخ بالحاج والشيخ قاسم في تكوين المكتبة بقوله: «ترك هذان الشيخان العالمان الجليلان خزانة ضخمة من أنفس الذخائر العلمية في القرارة، بمخطوطات أيديهما: كاغدٌ رفيع، مدادٌ يُغالب توالي الأزمان، خزانة مخدومة من خشب النخل، يتقادم الزمن ويبلى الدهر ولا تبلى، جزاهما الله عن الإسلام خيرا جزيلا»(2).
إن ظهور دار للعلم في القرارة في ذلك الزمان وتلك الظروف تحتوي على مكتبة بهذه الأهمية وهذا الحجم ليعد حدثا مهما في تاريخ القرارة، وحدثا عظيما لدى أهلها وأمرا مستغربا لديهم، لم يعهدوه من قبل. لقد كانت الدار عندهم بمثابة دار الثقافة، وبيت الحكمة، والمدرسة، والمكتبة، والجامعة، ودار الإفتاء، والقضاء، كل هذه المعاني اجتمعت في ذاكرة القراريين وارتسمت في مخيلاتهم وأذهانهم حول دار العلم لآل الشيخ.
ترجم أهل القرارة هذه التصورات وهذا الشعور نحو الدار في سلوكات عملية وآداب عرفية بما كانوا يحملونه في نفوسهم من احترام وتقدير ومهابة لها ولأهلها من المشايخ الساكنين فيها، بل نقلوا تلك المهابة إلى كل الشارع الذي توجد فيه، فكانوا لا يحدثون فيه
(1) - بكير الشيخ بالحاج: فهرسة مكتبة الشيخ بالحاج، ص10 ـــ11.
(2) - أبو اليقظان: ملحق السير، ج2، ص92 ـــ94.