09 موسى وعلي- الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر
الجزء ١٠ · صفحة ١٥٣فالذات عند الشاعر "ناصر" قبل أن تكون جسما ولحما فهي روح ومعنى، وهذه الروح تضعف كما يضعف الجسد فهي بحاجة إلى رعاية وتمريض، وها هو الشاعر يصعد زفرات الألم من هذا الظمإ الروحي فتنكبِتُ لغة الكلمات حين تصبح الدموع والآهات أفصح تعبيرًا.
وتتضافر الموسيقى الخارجية من خلال قافية الهاء؛ فإن صوت الألم والآهات يتصاعد من أعماق قلب الشاعر منسجمًا مع صوت الهاء الذي ينبعث من الحلق، إضافة إلى استخدامه بحر الرمل، الذي وظَّفه شعراء الرومنسية بقوة، لملاءمته لأجواء المناجاة الفردية، والشاعر هنا يحشد المعجم الدلالي من خلال الكلمات (دمعي، آهاتيه، خائفة، راجية) التي تعبر عن صدق التضرع والخضوع.
وتلفتنا الصورة الإيحائية هنا؛ حين تصبح جموع المسلمين الضارعة لله موجات عاتية؛ وذات الشاعر قطرة في وسط هذه البحر المتلاطم الأمواج؛ فإذا كانت يد الله فوق أيديهم فأين يد الشاعر الضارعة من يد الله التي فوق أيدي الجميع، وأين ذات الشاعر من جلال قدرة الله وعظمته؟ ويكون الجواب من خلال قوله (وأدرك أني الضعيف الضعيف)، إذ تتضاءل في عين الشاعر ذاته حتى تنمحي وتذوب بين هذه الجموع.
ولم تكن الذات الحسية الجسدية على هامش التجربة الشعرية لدى الشاعر، فها هو في قصيدته "وبشر الصابرين" يبثُّ مشاعر الألم والمعاناة وهو يرزح تحت وطأة المرض، حيث أضفى على القصيدة مذاقا ابتهاليا خاصا إذ يقول(1):
يَا رَبّ أنتَ بلَوْتنِي وشفيتَنِي
وأضأْتَ قلبِي كيفَ لا أرتاحُ؟
( … ) أدعوكَ والدّمعُ السَّفُوح يهُزّني
والآيُ في لهَواتِيَ المفْتَاحُ
وحدِي وقدْ لفَّ الظَّلامُ ترِفُّ بِي
نفسِي إِلى الملإِ العُلَى ترْتاحُ
إ. ِنّي الضّعيفُ وأنتَ وحْدكَ قادِرٌ
فأَشفِقْ بِعبدِكَ، قدْ أَذتهُ جِراحُ
لِي كِليةٌ كسْلَى تقضُّ مضَاجِعِي
فاصفرَّ لونِي والشَّرابُ قُراحُ
فالشاعر هنا يصوِّر ما يعانيه من أوجاع تصويرا دقيقا؛ فقد تضافرت عليه كل أسباب الألم لتوهن قواه، وتذيقه مرارة الحياة وتضعضع جسده.
والتشكيل الموسيقي للقصيدة يوحي بذاك الجو النفسي للشاعر
(1) - «الخافق الصادق»، ص: 50.