09 موسى وعلي- الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر
الجزء ١٠ · صفحة ١٥٤وهو في مقام الشكوى لله مما ألَمَّ به من نَصَب وعذاب؛ حيث نجد الموسيقى الخارجية المتمثِّلة في قافية (الحاء) المتميِّز برخاوته وهمسه منسجمة مع المقام النفسي؛ إذ تبعث بموسيقى همسية تناسب وخُفْيَة الدعاء ومناجاة العبد لربه، كما أن بعد مخرج الحلق وعمقه في حرف (الحاء) شكل توافقا بين صوت الحاء الحلقي العميق ومشاعر الألم التي تتفاعل في أعماق الشاعر.
إن المنطلَق الروحيَّ للشاعر قد جعله يحاول أن يقيم توازنا بين الحس والروح؛ فهو في محاولة دؤوب لطلب المدد الروحي(1):
ناديتُ فِي جوفِ الظّلامِ مُسبِّحا
أنْ لاَ إِلهَ سِواكَ يا مِصباحُ
يَا منْ أعدتَ ليُونُسَ رُوحَ الحَيَاةِ
أعِدْ لجسمِي مَا بِه أرْتـ، احُ
فالشاعر لا يعرف القنوط في الدعاء والتبتل، لأنه يستمدّ هذه الثقة بالله من خلال القصص القرآني إذ يوظف الصورة الإشارية المتمثلة في دعاء سيدنا يونس إذ نادى في ظلمات البحر وبطن الحوت: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)﴾(2).
إن صيغة النداء في قوله (يا مصباح) تؤدي دلالة نفسية عميقة في نفس الشاعر؛ فهي صيغة لنداء البعيد، وكأن الشاعر يشعر بالبعد وهو مُغَيب في ظلمتين؛ ظلمة حقيقية وهي جوف الليل؛ وظلمة معنوية وهي وضعيته النفسية المتردية، كما يستعمل لفظة (مصباح) للمنادى وهو الله؛ ويدل على تلك الحاجة النفسية إلى ذلك النور الرباني ليبدد من حوله تلك الظلمة وينقشع قتامها.
ثم تظهر ذات الشاعر متلفعة بدثار آخر؛ دثار الفرج والأمان والشفاء إذ يقول(3):
حتّى إذا قدّرتَ لِي فَرَجاً أتَى
كالبرقِ، أمرُك يَا قويُّ سُراحُ
كالنُّور ينفرجُ الضّياءُ بخافِقِي
كالفجرِ يَبسُمُ نورُه الوضَّاح
نزلَ الشفاءُ، تفتَّحتْ شُرُفاتُه
وانهلّ لِي مطرٌ وبانَ صبَاحُ
هنا تتغير لغة الشاعر؛ من لغة الآلام والظلام، ولغة الشكوى والرجاء، إلى لغة البشر بالشفاء والضياء، ولغة الشكر والعرفان، فكل كلمة هنا تعبر عن ذلك الانقلاب النفسي حين تغيب معاني الظلمة لتحل محلها معاني النور