مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

09 موسى وعلي- الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر

الجزء ١٠ · صفحة ١٥٥

متمثلة في كلمات (البرق، النور، الضياء، الفجر، صباح … )، ويوظف الشاعر الصورة الإيحائية في قوله (ينفرج الضياء، تفتحت شرفاته، يبسم نوره، بان صباح) لتدل نفسيا على تلك السعة والانبساط الذين ملآ كيان الشاعر.

إن رؤية الشاعر الملتزمة للذات تكمن في كون هذه السعادة والفرج لم تفقده وعيه الديني إذ يربط كل هذا بمن يملك هذه الذات ويُقدِّر مصيرها، ليتوجه إليه بالحمد(1):

حمداً وأنتَ بلوتنِي، حمداً وأنتَ

شفيتَنِي، آمنتُ يَا مِصبَاحُ

( … ) أنتَ العليمُ فرُبَّ خيْرٍ مِحنةٌ

ولرُبّ شرِّ مِنحةٌ ونَجَاحُ

ففي تكراره لكلمة (حمدا) نكتة بلاغية؛ فالشاعر يؤكد حمده لله وقت البلاء ووقت الشفاء؛ وهذا استغراق زمني لحياة الشاعر التي لا تخلو من أن تكون ابتلاء في حالتي المرض والشفاء على حدّ سواء، وكأن الشاعر في إعادته لصيغة (يا مصباح) يؤكد تلك الصلة الدائمة التي لا يعروها انفصام ولا انقطاع، فالله لا يزال المصباح الهادي وقت الشفاء؛ كما كان مصباحا وقت الشدة والبلاء.

والشاعر قد التزم برسالة روحية حملها عبر رحلة الذات وتقلباتها؛ ليجعل محطة العبرة فيها مقابلة ضدية بين (خير/ شر، منحة/ محنة)، والشاعر هنا لم يتكلف البديع في المقابلة والجناس، فإن دلالة هذه الألفاظ تصرفُ السامع عن شكلها البديعي إلى تلك الحوصلة التي جمعتها عن تجربة الشاعر مع ذاته؛ مقتضاها أن الذات في امتحان بين المحن والمنح، ويتحقق النجاح في هذا الامتحان حين يزداد العبد تقربا ومعرفة بالله، وحين يكون أكثر وعيا بحقيقة نفسه، وحين يكتشف هويته ويدرك ضعفها الحسي ويملأ فراغها الروحي.

الرابطة الإسلامية بين الذات وغيرها:

لم يقف الشاعر على الذات في قضاياها الخاصة؛ وإنما عايشها في علاقاتها الإنسانية والعاطفية، متمثلة في مشاعر تنبع من ذاته؛ زوجا وأبا وأخا حميما، والشاعر في التزامه بالتصور الإسلامي يبين أن كل هذه العلاقات الوجدانية قد تربى ونشأ عليها في مدرسة الدين والإيمان، التي زرعت في قلبه مشاعر الحب والوفاء والحنان، حيث ارتفعت فيها أصوات القلب فوق صوت الكلمات والحروف، فالشاعر "ناصر" قد اعتنى بمشاعره تجاه الآخر

(1) - «الخافق الصادق»، ص: 52.

١٥٠ / ٣٠٩