مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

09 موسى وعلي- الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر

الجزء ١٠ · صفحة ١٥٦

عناية خاصة. ويعتبر "الولد" حلقة من تلك الرابطة الرحمية التي ضمها الشاعر في حناياه، وهذا هو الولد الصغير يضرم نار الشوق في قلب الشاعر ـــــ وهو بعيد في غربته بسلطنة عُمان ـــــــ حين يناديه "من أناديه أبي؟ "، ليجيبه في قصيدة بعنوان: "آخر العنقود"(1):

آهٍ يَا فلذَتِي عصرْتَ فُؤادِي

وأثرتَ الأحزانَ بِي مِنْ جَدِيدِ

كِلْمةٌ قُلتَها فحرَّكْتَ وَجداً

كنتُ أطفِي لظاهُ بالتَّنهِيدِ

لا تقُلهَا فقدْ ذبحْتَ ورِيدِي

لا تقُلهَا بربِّكَ المَعبودِ

لا تقُلهَا فقدْ تهدَّمَ صبرِي

وتهاوَى كقلبيَ المجْهُودِ

إن هذه العواطف الجياشة التي التهبت في أحشاء الشاعر تؤكد ذلك الحس المرهف والوتر الحساس الذي يهز كيان الشاعر لتبلغ فيه المعاناة النفسية ذروتها، فالصدق الفني يتبين من خلال حضور نفس الشاعر في كل بيت وكل كلمة من خلال تكرار (ياء المتكلم) في صيغة الاسترحام والاستعطاف تكررت، ومن خلال أسلوب النهي في قوله: (لا تقلها).

وهو يحاول أن يجسد من نفسه نموذجا لخضوع الإنسان لفطرة الله التي أودعها فيه(2):

كيفَ أنسَى؟ وهلْ تُرانِيَ أنْسَى

نبضَ قلبِي وناظِرِي ووُجُودِي؟

كيفَ أَنسَى؟ وفِطرتِي أبَوِيٌّ

مُفعمُ القلبِ بالحَنَانِ الشَّدِيدِ؟

صَاغنِي اللهُ وَالداً شاعِرِياًّ

كيْفَ أنسَى ـــ ولو حرصتُ ـــ وليدِي

إن الشاعر يوظف أسلوب الاستفهام (كيف أنسى؟) مكررا إياه عشر مرات (من قبل هذا المقطع) لمناسبة الاستفهام بالأداة (كيف؟) لمقام الشكوى والألم من البعاد، والغرض من تكرار الاستفهام هو تقرير الفكرة تقريرًا غير مباشر، فهو يقرر أنه لا يمكن أن ينسى ولده وهو نبض قلبه، وأنه لا يمكن أن تنعدم عنده مشاعر الرحمة والحنان في ذكرى ولده، لأن هذه من صياغة الله - سبحانه وتعالى - وآياته.

إن الشاعر "محمد ناصر" يرى في هذه العواطف الإنسانية بعدا التزاميا عميقا، فإن المسلم يملك في هذه الحياة مهمة الخلافة وعمارة الأرض، ولا تقوم هذه المعاني إلا على أساس من التكامل العاطفي بين البشر، فالمسلم بعاطفته

(1) - «الخافق الصادق»، ص: 25.

(2) - «الخافق الصادق»، ص: 26.

١٥١ / ٣٠٩