مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

09 موسى وعلي- الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر

الجزء ١٠ · صفحة ١٥٧

الوالدية يسعى لبناء البيت الذي هو بذرة المجتمع الإسلامي، وبالتالي فهو يجسد بعاطفته سنة الله في الحياة والعمارة، إذ يقول لولده(1):

أنَا مِنْ أَجلِكمْ يرفُّ جَناحِي

صاعداً نَازِلاً بأفقٍ بَعِيدِ

أتركُ العُشَّ مُجبرًا، ففِراخِي

بفِراقِي تعيشُ عيشَ سَعِيد

رَفَّةُ الطَّيرِ جِيئَةً وذَهَاباً

تجْلبُ الرِّزقَ ليسَ بِالتَّغرِيدِ

فالشاعر يوظف الصورة لينتقل بالفكرة من المباشرة إلى مرحلة التأثير والإقناع؛ إذ يتخذ من الطير الذي يمثل قمة التوكل على الله في طلب الرزق والنشاط في سبيله، صورة تعتمد على قوة الحركة والانتقال، من خلال حشد المفردات الضدية (صاعدا/نازلا، جيئة/ ذهابا) وهذا الطباق يشخص بدقة ذلك النشاط الدؤوب الذي يقوم به في سبيل توفير العيش السعيد للولد.

ومن خلال مفردات القصيدة يمكن أن نستجلي الموقف الالتزامي الذي يتمثل في اعتماد الشاعر البعد الروحي في توثيق روابط التواصل وتعميق أواصر المحبة حتى تظل محفوفة بالعناية الإلهية، يرعاها بالحفظ والأمان.

وهكذا تتضح لدينا تلك الرؤية الإسلامية المتميزة التي يحملها الشاعر "ناصر" في تواصله الوجداني مع الرحم القريبة القائمة على أساس من الرباط الروحي الرباني.

ثانيا: الالتزام الإسلامي في الشعر الواقعي:

تعتبر الواقعية من أهم المعايير التي تبناها الأدباء والنقاد في التزامهم الأدبي، إلا أن واقعية الشاعر "محمد ناصر" ليست من قبيل تلك المذاهب الأدبية، لأنها واقعية تنبثق من الوازع الإسلامي والوعي الديني الذي يدعوه إلى الاهتمام بواقع الأمة الإسلامية وقضاياه، إذ لا يمكن أن يعيش في غمرة تجاربه الإيمانية الذاتية وهو بمعزل عن واقع الحياة، ومصير الإنسان، وآماله وآلامه، إذ عليه أن يبحث عن خلاص للإنسانية عبر رؤية إسلامية متميزة تصاغ معالمها في قالب فني مؤثر.

إن ما تعانيه الأمة من وطأة التخلف والتبعية الفكرية والاحتلال السياسي في بعض بلدانها من أقوى الأسباب التي ألهبت الشاعرية عند "محمد ناصر"، ليعبر في كثير من قصائد الديوان عن تفاعله مع هذا الواقع المرّ والصراع المرير.

(1) - «الخافق الصادق»، ص: 26.

١٥٢ / ٣٠٩