09 موسى وعلي- الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر
الجزء ١٠ · صفحة ١٥٨التفاعل الوجداني مع واقع الأمة:
إن الشاعر "محمد ناصر" باعتباره فردًا من أمة تجمعها لحمة الدين لَينبض قلبه بهذا الانتماء العضوي للجسد الكبير، فنراه عضوا متداعيا بالآلام والأحزان لما تشتكي منه الأمة أفرادا ومجتمعات من معاناة وهوان، وهذا التداعي هو الذي أذكى فيه مكامن الشاعرية للتعبير عن هذه الآلام. والتعلقُ الوجداني الشديد بهموم الواقع جعل الشاعر يستحضر واقع أمته في كل مقام، فما أكثر تلك المواضيع التي تبدو في ظاهرها منفصلة عن واقع المجتمع والأمة، لكنها تجد في قلب الشاعر "ناصر" حرارة تنصهر فيها كل المواضيع لتأخذ قالبا واقعيا نابضا بالحياة والإحساس، فنراه في قصيدته "نحن فداك يا رسول الله" التي بدأها بالمديح النبوي ثم انتقل بعدها إلى بث هموم الواقع الإسلامي لهذا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - قائلا(1):
صوتِي ضعيفٌ، وعُذري ما أُكابدُهُ
مِن ضعفِ قومِي وهُم أشتاتُ في البلدِ
عُذرِي إليْك إذَا مَا قصَّرتُ فِي كَلِمي
أنِّي بحُبكَ مفتونٌ إلَى الأبدِ
ماذَا أقولُ وقد جارَ الصّليبُ علَى
دينِ النبيِّ وما في العُرْبِ مِن أحدِ؟
تطاولَ الكفرُ إذ هُنَّا وقدْ علِمُوا
أنَّا أهنَّا كتابَ اللهِ منْ أمدِ
فالشاعر يحشد كل الطاقات التعبيرية لإبداء مشاعر الضعف والخيبة التي حاقت به وبقومه، فالتكرار الصوتي لياء المتكلم (صوتي، قومي، عذري، أني) قد أخذ تشكيلا موسيقيا عميقا لذلك الضيق النفسي الذي يحز في أحشائه بسبب آلام أمته، وكأن الشاعر وجد في شخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - متنفسا وأهلا للشكوى، كما نجد في استخدامه لأسلوب الاستفهام بـ (ماذا؟) دلالة على حيرة وقصور في اللسان عن البيان بمقام الحال، وقد استطاعت اللغة الخطابية التي وظفها الشاعر أن تشكل تلاحما بين ذات الشاعر وذات الرسول - صلى الله عليه وسلم - من جهة، وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - والواقع المعاصر من جهة أخرى.
ومن خلال هذه النموذج يظهر لنا مدى ارتباط الشاعر بواقعه، وكأن صورة الواقع تطارده أينما حل وارتحل، فهي تظهر وتحيا في كل شيء، كما لا تزال تسكن ضميره وقلبه ليكونا مرآة تنعكس فيها الصورة الخارجية للواقع.
(1) - «الخافق الصادق» ص: 78.