09 موسى وعلي- الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر
الجزء ١٠ · صفحة ١٥٩وها هو يستهل قصيدته "درّة في جبين النصر" بالتعبير عن أصداء الواقع في قلبه، بعد جريمة اغتيال الطفل الفلسطيني "محمد الدرة"، إذ يقول(1):
يخونُني الشعرُ عذراً فيك يا ولدِي
تقزَّم الشِّعرُ حتىَّ ذابَ مِن كَمدِ
إن هذا البيت لينطق بنفسه عن تلك الآلام والأحزان التي انهالت وابلا على الشاعر، وينبعث هذا الجو النفسي من خلال المعجم اللفظي في الكلمات (تقزم) (ذاب) (كمدٍ)، وعلى مستوى البنية الصوتية نجده يوظف في القافية حرف الدال الذي يتصف بالشدة والحبس لينبعث منها أثر الشدة والكبت الذين يهزان الشاعر في الأحشاء، وقد أضفت عليه كسرة الدال مزيدا من الدلالة على ذلك الشعور بالانكسار والخيبة.
ويوظف الشاعر الصورة الجمالية من خلال الاستعارة التي تتمحور على لفظة (الشعر)، إذ يصور (الشعر) بالصديق الوفي المنجد عند الحاجة إليه، ولكنه في هذا الموقف يخونه فلا ينجده، كما يضفي عليه مشاعر إنسانية في قوله (ذاب من كمد)، فقد اكتوى هذا الشعر بحرارة الحزن حتى ذاب وبدا قزما قاصرا عن مواجهة الرزء الجلل، وعاجزا عن نجدة الشاعر.
فالشاعر في هذه الصورة يعبر عن مدى انعقاد اللسان عن التعبير عما يحترق به قلبه من لظى الأحزان التي غصَّت في حلقه الذي ضاق عن بعثها وإبدائها. وتزداد النفس تأزما في قوله بعد ذلك:
أُكابدُ العارَ يَشوِيني ويَجلدُني
وذاكَ يعصرُ قلْبِي من ضنَى عُقَدِي
وينبتُ الملحُ في حلقي، وأشرَبُه
دمعاً مريراً شظاياهُ شَوَتْ كَبِدي
وفي فمِي يبسٌ من هَوْلِ فاجِعتِي
وكمْ كمَمتُ فمِي حتَّى تخُطَّ يدِي
ويصرخُ الحزنُ في وعيِي وأورِدَتي
وليسَ يشفِي الصُّراخُ الحزنَ يا ولدِي
فالشاعر يحشد كل إمكانيات التعبير عن الألم والضيق والكبت من خلال ألفاظ (يشويني، يجلدني، يعصر، عقدي، دمعا، مريرا، شَوَتْ، يبسٌ، يصرخ .. )، ويكثف من لغة الإيحاء من خلال الصور المجازية، إذ جعل "العار يجلد"، و"الملح ينبت"، و"الدمع يشوي"، و"الحزن يصرخ" … وهذا كله تصوير للألم المعنوي بالألم الحسي للجسم.
(1) - «الخافق الصادق»، ص: 37.