مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

09 موسى وعلي- الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر

الجزء ١٠ · صفحة ١٦٠

وتظهر الصورة في حركية دينامية حين يقول: (وكم كممت فمي حتى تخط يدي) كناية عن تلك المحاولات الشعرية الكثيرة المتكررة، ثم يزيد محاولات أخرى في قوله:

أراودُ البيتَ أسْتسقِيهِ مِن ظَمإٍ

فيهزأُ الشعرُ مِن بَيتٍ بلاَ عَمَدِ

سألتُ (خنسايَ) مَا للعينِ جَامدةٌ؟

فقالتِ: الدَّمعُ لاَ يشفِي مِنَ الْكَمدِ

فمثلُ (دُرّة) لا يُبكى، وقدْ صعدتْ

روحُ الشَّهيدِ إلَى الجنّاتِ في مَيدِ

فالشاعر يوظف التورية في كلمة (بيت) ليشبه بين صورتين؛ صورة البيت الذي لا يقوم إلا على العمود الشعري لأن الشعر قد ذاب من الكمد، وصورة البيت (المنزل أو الخيمة) المنهدم الذي لا يقوم إلا على عمد، ثم يوظف الرمز المتمثل في (الخنساء) شاعرة الرثاء والحزن، فهو يسألها في شأن هذا الدمع العصي، وعلى لسانها يعبر عن يأسه من الشفاء إذ لا جدوى من البكاء.

وقصيدة "درة في جبين النصر" نموذج واحد عن ظاهرة عامة، مقتضاها أن الشاعر "محمد ناصر" يستند في التزامه بقضايا الواقع الإسلامي على قاعدة نفسية صلبة، لما يكتنفه من مشاعر وأحاسيس تجاه هذا الواقع، فهو في تواصل وجداني دؤوب بين العالم الداخلي الوجداني والعالم الخارجي الموضوعي، حتى تنمحي تلك الحدود بين الذات والموضوع، وبين الذات والواقع.

ويظهر الصدق الفني عند الشاعر "ناصر" حين تنصهر تجربته الشعورية بالقضية الموضوعية، فتصدر في قالب شعري محكم لا ينفصل فيها المعجم الوجداني الداخلي عن المعجم الموضوعي الخارجي في القصيدة الواحدة، فهو قبل أن يكون مصورا للواقع الخارجي فإنه معبر عن الواقع الداخلي الذي يجيش في وجدانه.

توازن بين الواقع المادي والإيمان الغيبي:

إن الانعكاسات المؤلمة التي تركها واقع الأمة في نفسية الشاعر هيأت له النظر الثاقب والإدراك الذكي بالأحوال والأوضاع، فالشاعر -وهو يقف على عتبة العام الهجري (1425هـ) - يحاول استذكار ماضي الأمة التليد واستشراف المستقبل الجديد، بما يحمله من أنباء وأعباء، وبينا هو في خضم التوقع والترصد لمستقبل الأمة إذ تنتابه الهواجس في خلده فيقف مخاطبا هذا العام

١٥٥ / ٣٠٩