مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

09 موسى وعلي- الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر

الجزء ١٠ · صفحة ١٦٢

ومن أساليب المعنى التي استخدمها لتشخيص الواقع أسلوب المفارقة والمقارنة إمعانا في إبراز التناقض في واقع الأمة، ليكون التصوير أشد وقعا وأبلغ تأثيرا في الألباب، إذ يقول:

نأْوِي الخيَامَ، وأرْضُنا

بِيَد اليهُودِ بِهَا قُصُور

ونَمُدُّ أيدِينَا لنُعْـ

ـطَى غَرْس أيدِينا الوَفِير

النَّفطُ مِلكُ يَمينِنَا

وغديرُنا عذبٌ نمِير

ورغيفُنَا منْ قمحِ أمْريـ

ـكَا نغصُّ بهِ عَسِير

فالشاعر يتخذ الطباق بين (خيام/ قصور) لبيان المفارقة القائمة بين لاجئي الخيام بأرضهم، وساكني القصور بأرض غيرهم، وللغرض نفسه –أي بيان المفارقة- يستخدم التكرار في كلمة (أيدينا) مرّتين، فالعلاقة الغيابية في الاختيار التركيبي تلفتنا إلى أن الشاعر لم يقل (غرسنا)، بل أضاف (الغرس) إلى (الأيدي) ليبين أن اليد التي تغرس هي نفسها التي تمّد لطلب غرسها، وكل هذا يصور مدى الذل الذي تعانيه الأمة، لأن الفقير ذليل بتسوله، وأذل منه الغني الذي يتسول من الفقير.

وأمام هذا الأمر الواقع يقف الشاعر عاجزا عن فعل أي شيء فوق جهاد الكلمة، وضعيفا أمام هول الدِّلاء، فيتوجه بالدعاء إلى الله(1):

ربَّاهُ ذَا الشَّأنِ القَدِير

أدْرِك عبادَك يا نصِير

عُدْنَا إِلَيْكَ نَجُرُّ أَذْيال

الهزيمةِ والعُثُور

عدنا تؤود بنا الذْ

ذُنوبُ، وأنت توّاب غفور

فارْحم بعفوِك ما جنيْـ

ـنَا، أنتَ رحْمانٌ قدِير

واجْمع بلُطفك أمْرنا

جَارَ العدُوّ ولا مُجير

هكذا يحاول الشاعر في آخر أمره أن يستجمع قواه ويستردّ أمله بعد كل ما أصابه من مرارة الواقع فيطلب المدد ممن بيده الأمر، فهو يتوب إلى الله ويؤوب إليه مستخدما كلمة (عدنا) مكررا لها دلالة على التأكيد والإلحاح في الإنابة، ونراه يحشد صيغ المبالغة في دعوته لله بأسمائه الحسنى (قدير، نصير، تواب، غفور، مجير) أملا في الإجابة وثقة في قدرة الله على النصرة والإجارة، ومبالغة في طلب العون والمدد.

(1) - «الخافق الصادق»، ص: 48.

١٥٧ / ٣٠٩