09 موسى وعلي- الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر
الجزء ١٠ · صفحة ١٦٣من هنا فالواقعية الإسلامية لا تقوم على محاربة القيم الروحية ورفض الغيبيات، كما نجد ذلك في الواقعية الغربية التي توغل في عالم المادة فتضيع في لُجج الضياع، وتغرق في بحور اليأس والأحزان، بل إنها تتعامل مع الواقع انطلاقا من خصوصية "التوازن"؛ التوازن بين عالم المحسوسات وعالم الغيبيات، التوازن بين مشاعر الخوف والرهبة من الواقع، والروح المطمئنة الواثقة بوعد الله، وهذا من اليقين الذي جعل الشاعر لا يقف على عتبة التشاؤم من الواقع، بل هناك وثوق بقدرة إله هذا الواقع، وهو الوحيد الذي بمشيئته تتحسن أحوال الأمة وتزول عنها آلام الشقاء.
والتجربة الشعرية للشاعر المسلم قائمة على أساس من التوازن والإيجابية؛ فتجربة الألم والمعاناة في ظل التصور الإسلامي لا تقود الشاعر إلى سراب الشك وإلى فوضوية الرؤية، بل تقوده إلى مرفإ اليقين واستقرار الرؤية، فتمنح القلب راحة وطمأنينة واتصالا بحقيقة المؤثرات الفاعلة في هذا الوجود. وتكتمل جمالية الشعر الإسلامي حينما يبتعد الشاعر بالبشر عن كهوف التشاؤم والسلبية، ويزرع في قلوبهم بذور الأمل، ويضع واقعهم على سكة الأمان.
نقد الواقع في الالتزام الإسلامي:
إن الواقعية في نظر الشاعر تختلف عن تلك الواقعيات العقيمة التي تكتفي بالتشخيص والتصوير للواقع، أو تلك التي تؤمن بحتمية الصراع الطبقي حتى تتحقق استمرارية المجتمع ونموه، إن الواقعية من المنطلق الإسلامي واقعية تنقد أسباب التردي وتحاول الكشف عن الداء، وهي لا تزال تطمح نحو الكمال والمثالية والبحث عن نموذج لواقع أفضل، وذلك برفض كل مثبطات التقدم والتحسن على مستوى الفرد والأمة.
والشاعر "ناصر" لم يحد عن هذا المبدإ، فقد مزج واقعيته بالنقد وإبداء موقف الرفض والثورة على هذا الواقع الذي أثار في قلبه مشاعر الغضب، لتغلي الكلمة في صدره كالبركان فيعلن الشاعر عن موقفه من الحكام وسياستهم بكل حرية ومسؤولية حين يقول في قصيدته "قمة حاضرة غائبة"(1):
(1) - نظمها بمناسبة القمة العربية التي انعقدت في الجزائر يوم الثلاثاء 22 مارس 2005م وغاب عنها تسعة من الرؤساء، ينظر: «الخافق الصادق»، ص: 69.