مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

09 موسى وعلي- الالتزام الإسلامي في شعر محمد صالح ناصر

الجزء ١٠ · صفحة ١٦٤

سيَّان عِندِي إنْ غَابُوا وَإنْ حضرُوا

فليسَ للعُربِ تأثيرٌ ولا أَثَرُ

فهلْ سمعتَ لهُم حِسّاً؟ فمذْ وُجِدُوا

مِن ربْع قرنٍ معَ الأمواتِ قدْ قُبرُوا

وهلْ رأيتَ لَهم فعلاً ودَيْدنُهم

كِذْب وتصفيقٌ كذَا اشتُهِروا؟

فأيُّ جامعةٍ والجمعُ مُنقسمٌ؟

وأيُّ قوميةٍ والقومُ قدْ نُثرُوا

فالشاعر يصرح بموقفه من قادة الأمة، فهو يعبر عن المكانة التي يأخذونها في عينه واهتمامه، وعن مكانتهم من هذه الأمة ومدى حضورهم فيها، حيث تتباهت صورتهم وتصغر حتى تنمحي من هذا الوجود، فهو بتوظيفه الطباق بين الأضداد (غابوا/ حضروا، وجدوا/ قبروا) قد وضع هؤلاء في مقامهم من هذه الثنائيات، فحضورهم وغيابهم سواء.

ويمزج الشاعر بين التصوير الواقعي والموقف الشخصي، حيث تبلغ لغته قمّة الحدّة والنقد اللاذع لهؤلاء الأسياد، فهو يعبر عن مواقفه انطلاقا من مسؤولية الضمير التي يرى فيها وجوب التعبير الصادق عن الحقيقة المرئية في الواقع دون تزييف ولا تحوير، كما أن التزامه بالحقيقة التزام بحرية الموقف الذي يجيش في صدره تجاه هذا الواقع دون مراوغة ولا نفاق، إذ أن الحقيقة فوق أي اعتبار، وهذه الحقيقة التي يثور باسمها الشاعر على الواقع السياسي تتمثل في قوله(1):

بَرِئتُ مِن قمّةٍ يحمَى الوطيسُ بها

أكلاً وشُرباً وتقديساً لهُ صورُ

برئتُ مِن دعوةٍ ليسَ النَّبيُّ لها

تاجاً يُضيءُ، وليسَ الدِّينُ والسُّوَرُ

برئتُ من قمَّة يُدعَى الصَّليبُ بهَا

أخاً، وشقيقُ الدِّينِ مُنكسِرُ

برئتُ ما غابُوا، برئتُ إنْ حضرُوا

فليسَ للعُربِ تأثيرٌ ولا أثرُ

إن الحقيقة توزن بالمرجعية الدينية التي يبقى الشاعر وفيا لها ولا يرضى عنها بديلا، فكل ما يغيب فيه المبدأ الإسلامي، وكل من يتنكر ليد المستغيث في الدين ويمد يد الإخاء لأعداء الدين فهو منه براء.

ونرى الشاعر في آخر القصيدة يكرر كلمة (برئت) لتشكل المحور الدلالي للقصيدة، وهذه الكلمة تحمل دلالة دينية عميقة، من خلال مبدأ الولاية والبراءة الذي يؤمن الشاعر بوجوب تطبيقه، وهذا ما يؤكد مرة أخرى حضور الميزان

(1) - «الخافق الصادق»، ص: 71.

١٥٩ / ٣٠٩