مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

10 بهون علي - فن كتابة السيرة النبوية للأطفال

الجزء ١١ · صفحة ١٧١

وهو ما يُحمَل على العقاد في كتابته عن شخصيات الأقدمين، والأمر نفسه مع بعض دراسات المستشرقين والمتأثرين بهم، لما تمثله مدرستهم من تشكيك في وقائع السيرة من ناحية، ومن تفسير وفهم خاطئ للمواقف من ناحية أخرى، وكذا عدم اعتمادهم في الأعم الأغلب على منهج التوثيق الإسلامي الدقيق، بالإضافة إلى موقفهم الخاص من قضية الخوارق والمعجزات(1).

ج- التفريق بين الوقائع الحقيقية الكبرى للسيرة وبين زيادات المؤرخين التي تأتي بدافع تشكيل بنية، إذ كثيراً ما يقع التحريف والوهم والمبالغة في التفاصيل الدقيقة التي يسوقها المؤرخ، وليس في الخطوط العريضة للوقائع، والمشكل أن كثيراً من الذين يعتمدون أسلوب الحرفية في فهم التاريخ يهتمّون اهتماماً مبالغاً فيه بتلك الجزئيات، مما يجعل الوهم و الإيهام من أوثق حلفائهم، فكاتب السيرة بحاجة إلى قراءة وإعادة قراءة للمدونة التاريخية، حتى يتمكّن من التمييز بين الواقعة ورؤية المؤرّخ لها، فلا يستسلم لنظراته(2).

ويؤكد أحد الدارسين على هذا الجانب فيقول: "يحتاج فهم ما يكتبه المؤرخ أن نحاول قراءة ما بين السطور وطرح عدد من الأسئلة المتعلقة بعمله، وسيكون في إمكاننا أن نتساءل عن مدى قدرة المؤرخ على ترك مسافة واعية بين رأيه الشخصي وبين الأحداث التي يؤرخ لها؟، أي محاولة تجنب الدمج بين رؤيته الشخصية للحدث وبين المعطيات والحيثيات المكونة له، فمهما بذل المؤرخ من جهد من أجل تعريفنا بالماضي فإنه لن يستطيع إلا أن ينقل لنا صورة غامضة وملتبسة، وذلك لأن الأحداث المحكية هي في الغالب على صلة بالإنسان، وما كان كذلك فإنه سيظل بينه وبين الوضوح مسافات طويلة"(3).

د- أن يستند الانتقاء على رؤية عامة حول الواقعة التاريخية لدى الأديب، حتى يتمكّن من الترجيح بين الروايات بما يمكّنه من بناء تصوّر متكامل عن الواقعة، فمن أخطر ما يتعرّض له العمل التاريخي هو الانتقائية، فالروايات المتعددة والمتضاربة أحياناً حول حادثة من الحوادث تملي على المؤرّخ أن يختار منها ما يتناسب مع رؤيته العامة لتلك الحادثة، وحين تتوفّر معلومات كثيرة حول واقعة ما فإنّ المشكلة لا تزول ولكن تتبدّى في ثوب آخر، وسيظلّ على المؤرخ أن يقوم بالترجيح، وإلا خنقه سيل الأخبار المجدبة التي لا يربط بينها أي رابط، وأن يكون الانتقاء على أسس موضوعية محضة بعيدا عن الخلفيات الأيديولوجية أو الذاتية، ويستند في عمله على مبدأ الإثارة والأهمية، موضوعا وشخصيات ومكانا وأحداثا(4).

هـ- السيرة النبوية كانت سيرة عملية وليست نظرية، فمن أوضح الأمور لمن يتدبر نشأة الجماعة المؤمنة على يد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكيف نمت وتطورت، وكيف عالجت مشاكلها الداخلية بين أفرادها والخارجية مع أعدائها، أن نهج الشرع كان عمليا، إذ لم يتقدم محمد - صلى الله عليه وسلم - بوثيقة عمل لمن يخالفونه يشرح فيها وجهات نظره، ورؤيته للمستقبل، وإنما كان هادئا كثير الصمت يعمل ولا يتكلم، ومن الواضح جدا أن الأفراد ميزتهم المواقف ولم يتميزوا بالمعرفة الذهنية، ولا بأصوات العامة لهم، والمطلوب من كاتب السيرة النبوية أن يركز على هذا الأمر، وأن يقف مع الأحداث يبين كيف كانت الدعوة جادة، ولم تكن يوما ما مفاهيم نظرية(5).

1. 2 ـ كاتب السيرة:

على كاتب السيرة أن يتحلى في كتابته بالصفات الآتية:

أ- الموضوعية والاعتدال في الحكم والتقرير عند تصوير حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في صراع متطور مع مستجدات الأحداث(6)، فقد يتبنّى الكاتب في

(1) -ينظرمحمد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة، ص5 وما بعدها.

(2) -ينظر عبد الكريم بكار، 149 بصيرة في التراث والماضي .. ، ص32.

(3) -المرجع نفسه، ص 37.

(4) -ينظر جيمس رستَن الابن James Reston، Jr، الرواية والتاريخ، تر: حسام الخطيب، المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، الدوحة، مارس2005، ص3.

وجيمس رستن (الإبن): روائي وكاتب أمريكي، محاضر في الكتابة الإبداعية، جامعة نورث كارولينا، له أكثر من ثلاثين رواية ومسرحية، منها: "مقاتلون في سبيل الله: ريتشارد قلب الأسد وصلاح الدين".

(5) -من أمثلة البعد العملي في سيرته عليه السلام حصار المخلفين عن غزوة تبوك خمسين يوما ليتلقوا درسا عمليا، في عدم مخالفة أوامر القائد.

(6) -نجح ميخائيل نعيمة في سيرة "جبران" باستيفاء العناصر الفنية، وفيه اكتمل للسيرة وجودها في الأدب العربي الحديث، من حيث الغاية والتطبيق، فقد كتبه كاتبه حين رأى أن جبران كاد يكون بعد وفاته بعام أسطورة من الأساطير، وفي أغلب فصول كتابه يجعلنا نحس بجبران في صراعه مع الحياة إحساسا دقيقا، مستعينا بفهمه النفسي، فوضع في السيرة العربية ما وضعه ستراتشي في السيرة الإنجليزية. ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص 74.

١٦٦ / ٣٠٩