10 بهون علي - فن كتابة السيرة النبوية للأطفال
الجزء ١١ · صفحة ١٧٢سيرته منهجا تحليليا أو تركيبيا، ولكنه إذا سار في هذه الطريق أو تلك عليه ألا يسخر الأحكام والأحداث وملابسات الحياة لعاطفته، فإن ازدياد العاطفة ينحرف بالسيرة عن وضعها الطبيعي، بل لابد له أن يبني ما يكتبه على أساس متين من الصدق، بالاعتماد على التاريخ الصحيح، فإذا ضعف هذا العنصر لم تعد تسمى سيرة، لأن الخيال قد يخرجها مخرجا جديدا، ويجعلها قصة منمقة ممتعة.
ب- سعة الاطلاع، فإذا كان كاتب السيرة غير محتاج إلى قوة كبيرة من الخيال، فإنه لا يستطيع الاستغناء عن سعة الاطلاع، فكل رواية وأحيانا كل كلمة لها قيمتها في إنماء تصوّره، وفي تجلية السيرة التي يريد أن يكتبها، وتتمثّل براعته وتفوّقه في القدرة على تقديم صورة متكاملة أقرب إلى الصدق التام وإلى الحقيقة.
ج- التحلي بيقظة ذهنية مستمرة، مشفوعة بإرهاف خاص في التذوق والحدس والترجيح وحسن الانتقاء: بمعنى أن يتمتع بالقدرة على تطويع المادة التاريخية في سياق بناء فني، كأن يحرص على إبراز البعد الحضاري على حساب الصراع السياسي(1)، ذلك أنّ مهمة كاتب السيرة كمهمة أي فنان، هي أن يقرّب ويبعّد، ويستبقي ويرفض، فما كل شيء يستحق التسجيل، ولا يكفيه أن يكون له ما للمؤرخ من قوة ناقدة تعرف أين هو موطن الضعف، وتفرز الرواية المغرضة من الرواية الصحيحة، بل لابد له من إدراك ذوقي دقيق، يعرف به ما يحسن أن يبقيه أو ينفيه من الصحيح نفسه(2).
د- الخيال اللازم لربط أجزاء السيرة في وحدة كاملة، وهو خيال يضع الكلمة اللازمة والحوار الضروري في كل موقف إذا قصر الواقع، ولا يهتم بالصيغة الأصلية للخبر إلا بمقدار، وهي مقدرة قصصية لا تستغني عنها السيرة حين يراد لها أن تكون أدبية،
(1) -وفي هذا يقول عماد الدين خليل: "هناك خطأ كبير في تدريس مادة التاريخ الإسلامي، وهذا حين أعطينا تسعة أعشار الزمن الدراسي للتاريخ السياسي، وضيقنا الخناق على التاريخ الحضاري، وبما أن الحلقة الأضعف في تاريخنا هي الحلقة السياسية، والحلقة الأقوى هي الحلقة الحضارية، نكون كمن يبحر ضد نفسه بتضييق الخناق على الحلقة المضيئة القوية". ينظر عماد الدين خليل، دراسة في السيرة، الرسالة، بيروت، ط9، 1985، ص35.
(2) -ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص78.