10 بهون علي - فن كتابة السيرة النبوية للأطفال
الجزء ١١ · صفحة ١٧٥أحداث في منتصف حياة صاحب السيرة، أو حتى من تاريخ وفاته، فلا ينقص هذا كثيراً من حبّ الاستطلاع لمعرفة التدرج في حياته، بعد أن عرفت نهايته ابتداء، فذلك جزء من حرية الكاتب التي لا ينازع فيها؛ وللكاتب أيضاً أن يرسم للسيرة طولاً يسمح باكتمالها، ولكن الطول في السيرة ليس شيئاً صارماً كما هو الحال في المسرحية والقصة، على أنّ الإتقان في تقدير الطول أمر هام أيضاً تحدده مواصفات الفئة الموجه إليها العمل، وهي هنا الطفولة على مراحلها المتعددة، والمتباينة.
ج-تقدير أدوار الشخصيات الثانوية في السيرة: إذ لا بد من بعث الحياة فيهم، وتحريكهم والسير بهم في مراحل الحياة، مع سير بطل السيرة نفسه، ولا يجوز الاستخفاف بهم، أو جعل أدوارهم طاغية تتجاوز ما قدّر لهم في واقع الحياة(1).
د- القدرة على تجسيد ملامح الصراع، إذ القيمة الحقيقية للسيرة إنما هي في الصراع، وفي مدى القوة التي تمنحها للقراء، وهي تقدّم لهم مثالاً حيّاً من أنفسهم(2)، فيحرص على بيان عمق الصراع الداخلي أو الخارجي، بمعنى أن حياة كل إنسان تعتريها فترات من الرّكود، فإذا كثرت هذه الفترات حتى طبعت الحياة لم تكن للسيرة قيمة كبيرة، ولكن الحياة المليئة بالصراع هي التي تستحقّ التسجيل والقراءة، ووقائع سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - كفيلة بتصوير هذا البعد.
هـ- الصياغة الفنية الجيدة، فلو سار كاتب السيرة على أساس تاريخي لوجد نفسه أمام معضلة، فالحدث قد يبدأ ثم يتم بعد ذلك في مرحلة زمنية متأخرة وفي مكان آخر، فإذا كثرت مثل هذه الأحداث ولابد أن تكثر ارتبكت السيرة وتقطّعت، ولكن البناء الفني يُنقذ كاتب السيرة، وذلك بالمزج بين القص والسرد التاريخي، فيعتني بأسلوب التشويق، ويحرص على أن يعرض سيرته في صورة فنية، بلغة سلسة وترابط محكم، وهذا لا يتيسر دائما إلا إذا كان المترجم شخصا بارعا في القص، وكانت حياة المترجم له مليئة بالأحداث العظيمة(3).
(1) -ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص94.
(2) ـ-المرجع نفسه، ص99.
(3) -ولعل أندريه موروا من أبرز من وفّق في هذا المزج حين كتب عن شللّي، "وسحره تمثل في طريقة القص وفي التشخيص العذب، وإلى رزانة الأسلوب ورجاحته"، ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص52، 53.