11 حريزي - فصل في الفصل بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكمة - الحلقة 02
الجزء ١٢ · صفحة ١٩٨مرتبطة بالصحبة والصحابي ولم يكن القتل مرتبطا بالجهاد، وإنما الاجتهاد مرتبط بوجود نص شرعي أو عدمه، فهل يجوز الاجتهاد مع وجود نص شرعي صريح وواضح العبارات، فالآية السابقة لم تنسخ «ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم … إلخ الآية» (93، النساء) «وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ … » (92، النساء)، فالآيات الكثيرات شاهدة على تحريم قتل النفس عموما، والنفس المؤمنة خصوصا، إذن فالاجتهاد والتأويل هنا تبرير غير مقبول شرعا.
وعليه فابن ملجم وصاحبيه قد ارتكبوا قتلا متعمدا مع سبق إصرار، وخالفوا النص القرآني عن جهل وجاهلية، وبطريقة بدائية بشعة، وإن الذي جرهم إلى ذلك التفكير الأسود هو الحقد والبغضاء والمعاداة للمسلمين، والإصرار على مبدإ خاطئ، فالحريق لا ينطفئ بصب الزيت عليه، والقتل لا يحل أية مشكلة أبدا إلا بالقضاء أو بالإمام، وقد اشتبهت على هؤلاء كثير من الأمور، وهم جهلة، معارضون لحكم أمير المؤمنين ومعاوية، وأسسوا أفكارهم بتأويلات ذاتية، وقناعات شخصية متعصبة وأرادوا أن يخلقوا قطبا رابعا في الحكم، ولو تفاوضوا في قضية القتل مع المفكرين ما وافقهم أحد على ذلك، فما زادوا في الحكم والسياسة إلا تعقيدا وتفككا وسفك دماء المسلمين، فهناك حكم علي (رض) الشرعي وحكم معاوية المنفصل أو الخارجي عن علي، وحكم الحروريين، وحكمهم الموهوم، والله أعلم بمن سيتطاول بحكم آخر … وهكذا ستتوالى الفرق الشنآن، ويتسع الخرق على الراقع.
والمذهب الإباضي الذي سيوجد بعد 24 عاما أسس على الحياد والقعود، وتحريم دماء المسلمين على بعضهم البعض.
إن سبب القتل واغتيال علي (رض) الذي ظهر في النصوص السابقة هو الحقد والانتقام، والحقد لم يَبْنِ حضارة، ولا أمة في أي عصر كان، ولا في أي مكان كما ذكر محمد الخضري بك (1956م): « … وشهوة الانتقام لا يستقيم بها ملك، ولا يكون معها صلاح، وإذا كان الانتقام يقبح بالناس، فهو من الملوك أقبح، وبذهاب ملكهم أسرع … » (محاضرات … ، ج2، ص: 201) وهؤلاء الثلاثة. ليس لديهم ملك، فكان بذهاب رؤوسهم أسرع.
إن الانتقام و الحقد عند ابن ملجم ظاهر في موقفين: وذلك في قول ابن الأثير في كامله كما ذكرنا آنفا: « .... اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس، وعابوا عمل ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهر، فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم فلو شرينا أنفسنا، وقتلنا أئمة الضلالة وأرحنا منهم البلاد … » (ج3، ص195) فهذا موقف انتقامي سيكون بالشراء، شراء النفس.