مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

11 حريزي - فصل في الفصل بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكمة - الحلقة 02

الجزء ١٢ · صفحة ٢٠٠

نستنبطها من أحداث هذه الواقعة النكراء نجملها في النقاط التالية:

3ـ1ـ التعصب الجاهلي لأهل النهروان (الحروريين) على حق أو باطل: أي التعصب للأفكار والتأويلات المفرقة لجماعة المسلمين، حيث أنهم الفرقة الثالثة، بعد فرقة علي ومعاوية، وقد استحلوا دماء بعضهم البعض وكفروا بعضهم بعضا، بعد التحكيم (15صفر سنة37هـ). فالتحكيم ليس تحكيما للرجال في دين الله، كما فهموا وأوّلوا فهل عدم المبايعة هو دين الله، فالمبايعة أو عدمها هي أمر دنيوي سياسي بالدرجة الأولى، وإنما هو تحكيم في تثبيت صحة وصف دقيق ينبني عليه حكم، كتثبيت القاضي في جريمة ما قبل إصدار الحكم، فمعاوية لم يبايع عليا، بل نازعه وناهضه في الحكم، فعلي (رض) هو إمام وأمير لمن بايعه فقط، ومن لم يبايعه فمن هو إمامه؟ فالإمامة لم تنعقد مع معاوية، فالأمر بقي في صراع وخصومة وحرب، إذن يجب أن ترفع القضية إلى القضاء، وهم المحكمون، وقد قبل المتخاصمان على ذلك، وتراضوا على ذلك كما قال علي (رض) وهو يناظرهم: « .... ثم سألوني التحكيم، أفعلمتم أنه كان منكم أحد أكره لذلك مني؟ قالوا: اللهم نعم. قال: فهل علمتم أنكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم عليه، فاشترطت أن حكمهما نافذ ما حكما بحكم الله عز وجل، فإن خالفاه، فأنا وأنتم من ذلك براء، وأنتم تعلمون أن حكم الله لا يعدوني؟ قالوا: اللهم نعم» (الكامل للمبرد، ج2، ص:99).

فكيف يفسر هذا الاعتراف، وذلك التراجع؟ يبدو أنهم ذهبوا ضحية التصور الخاطئ، والتخيل الفارغ، فقد تصوروا في البداية أنهم إذا استسلموا للتحكيم، فإن الحق سيكون بجانبهم عندما يتراضى الحكمان، والخطأ الثاني الذي وقعوا فيه هو تصورهم بأن أبا موسى الأشعري لا يخدع وسيربح القضية مع عمرو بن العاص، وليس في ذهنهم فكرة الخداع في السياسة، وأن القرآن هو الغالب، بينما القرآن اتخذ ذريعة للخداع واغتصاب الحكم وعلي (رض) نفسه قد نبههم لذلك كما في الكامل للمبرد: « … فكان مما قال لهم: ألا تعلمون أن هؤلاء القوم لما رفعوا المصاحف قلت لكم إن هذه مكيدة ووهن، وأنهم لو قصدوا إلى حكم المصاحف لم يأتوني، ثم سألوني التحكيم» (ج2، ص:99) أي لم يقصدوا حكم المصاحف وإنما هي مكيدة فقط وذريعة مؤتمنة. فالمشكلة في الحقيقة منحصرة في أبي موسى الأشعري المخدوع بتنحية صاحبه، وليس في علي (رض) فهو كبش فداء، وكذا اقتنعوا بأنهم على حق، وهم قد شكوا في إمامته لهم، والشاك

١٩٤ / ٣٠٩