11 حريزي - فصل في الفصل بين عبد الله بن إباض الحيادي والمحكمة - الحلقة 02
الجزء ١٢ · صفحة ٢٠٦هؤلاء الحكماء والعدول، والأمراء البعيدي النظر، لا تغرهم الرئاسة ولا تعرفهم إلى مصاف الألوهية: «أنا ربكم الأعلى»، ويضعون الدواء المناسب في مواضع الداء بالضبط وفي الوقت المناسب بعيدا عن الجاهلية والعصبية والعاطفة، وقد واجه علي المؤامرة بالمنطق والعدل الإسلامي، فتأمل حكمة أمير المؤمنين في لحظات الموت العصيبة، وتفكيره الرصين حسب ما أورد ابن كثير في البداية والنهاية وما أورد غيره في مراجعهم: بعد ضربه ابن ملجم بالسيف المسموم في قرنه (جبهته) فقال: « … ونادى علي (رض) عليكم به، وهرب وردان، فأدركه رجل من حضرموت فقتله، وذهب شبيب فنجا بنفسه وفات الناس، ومسك ابن ملجم، … وحمل علي إلى منزله، وحمل إليه ابن ملجم، فأوقف بين يديه وهو مكتوف قبحه الله، فقال له: أي عدو الله! ألم أحسن إليك؟ قال: بلى، … ثم قال علي: إن مت فاقتلوه، وإن عشت فأنا أعلم كيف أصنع به».
وفي رواية: «لما ضرب ابن ملجم عليا قال لهم: افعلوا به كما أراد رسول الله (ص) أن يفعل برجل يريد قتله، فقال: اقتلوه، ثم حرقوه» (ج8، ص:83). وفي الحديث أمر بالمثلة (حرقوه)، وذلك مناقض لما نهى عنه الرسول نفسه ـ كما سيأتي.
ذكر ابن الأثير في كامله: « .... بعد أن ضرب علي، فقال: أحضروا الرجل عندي، فأدخل عليه .... ثم قال: النفس بالنفس إن هلكت، فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون: قد قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن إلا قاتلي، انظر يا حسن: إن أنا مت من ضربتي هذه، فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثلن بالرجل فإني سمعت رسول الله يقول: «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور» هذا كله وابن ملجم مكتوف» (ج3، ص:196). لاحظ التناقض بين هذا الحديث: النهي عن المثلة، والأمر في الحديث السابق: «حرقوه»!.
فلو كان بدله (أي علي) أميرا آخرا في ذلك الموقف، لأوصى بالتنكيل به وبتعذيبه بألوان من العذاب قبل أن يموت وقد ورد في بعض الروايات أن أشياع علي (رض) قد مثلوا بابن ملجم أيما تمثيل، حيث أن من المعتاد أن بعض الرؤساء والملوك، إذا حدث لهم مثل ذلك الحادث ينتقمون شر انتقام بقتل المئات، ويهدمون مصرا ليبنوا قصرا، ويحرقون ما يحرقون كما حرق نيرون (37 ـ 68 م) روما.
إن بيضة الأمة الإسلامية لا تحفظ إلا بمثل تلك الوصايا العملية العادلة في القضايا النازلة، فبالنفس بالنفس تموت الفتن المفتعلة، وبضربة بضربة يشفى غليل الأخذ بالثأر، وإن من أشد البلاء في