مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

12 خميسي ساعد - أثر المذهب الموحدي في الحضارة الإسلامية بالمغرب

الجزء ١٣ · صفحة ٢١٦

هذا، مع الإشارة إلى أن فقهاء المرابطين على مذهب "الإمام مالك"، وهم المقربون من السلطان - كما سبق الإشارة إلى ذلك - بل، والموجودون على الساحة المغاربية المرابطية دون سواهم من المذاهب، وعملهم كان أن لا بديل عن مذهب "الإمام مالك" وبدون تجديد ولا تأويل، كما أن لا بديل ولا إضافة ولا اشتغال بعلم غير " الفقه" أو"علم الفروع"، وكان نتيجة ذلك أن أهمل حتّى الأصول التي بنى "مالك" عليها مذهبه الفقهي. فـ"لم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلاّ من علم الفروع، أعني فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتّى نُسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم"(1)

إذن، ساد فرع واحد من فروع العلم والمعرفة وهو: الفقه (المسمى بعلم الفروع)، ومعنى هذا أن التفسير وعلوم القرآن وعلوم الحديث والتصوف وغير ذلك من العلوم الدينية قد أهملت، وإذا كان البحث في الأصول وفي العلوم الدينية قد أهمل، فإن العلوم المتعلقة بها وبالنظر كعلم الكلام والفلسفة حُرِّمت وكُفِّر المشتغلون بها.

وما يؤكد هذا هواقتناع فقهاء الأمير بمنع الخوض في علم الكلام لاستحداثه في الدين، ولقد تشدّد في ذلك إلى درجة أن توعّد المشتغلين به، ولقد قال المراكشي في هذا الصدد:"فلم يكن أحد من مشاهير ذلك الزمن يعتني بهما -[أي بالكتاب والسنة]-كل الاعتناء، ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام - وقرّر الفقهاء عند أمير المؤمنين تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدين، وربما أدّى أكثره إلى اختلال في العقائد – في أشباه لهذه الأقوال حتّى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله. فكان يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه. وتوعّد من وُجِد عنده شيء من كتبه."(2)

وبهذا كله، كان العلم والتعليم في هذا العهد مقتصرا على حفظ القرآن وموطأ مالك بدون إعمال للعقل، لا بتأويل ولا تفسير ولا حتى شرح، مع شيء من اللغة والحساب بغية معرفة أوقات العبادات وحساب المواريث.

(1) -المصدر نفسه، ص.151

(2) -المصدر نفسه، ص.251

٢١٠ / ٣٠٩