12 خميسي ساعد - أثر المذهب الموحدي في الحضارة الإسلامية بالمغرب
الجزء ١٣ · صفحة ٢١٨الغزالي وكتابه، فإنّ قيام الدولة البديل سينطلق من فكر الغزالي كقاعدة عقدية (أيديولوجية) ثم إن جل الذين اتجهوا إلى المشرق في طلب العلم سيعودون مشبعين بفكره، كما هوالشأن بالنسبة لمنظر ومؤسس الدولة الموحدية عبد الله بن تومرت. فأين تكونت شخصيته،؟ وعلى من تعلم؟ وبأي المذاهب تشبع؟
3 - تكوين شخصية ابن تومرت الدينية والسياسية
أ -في المغرب الإسلامي
لا تتحدث المصادر التاريخية بالتدقيق عن السن التي شرع فيها ابن تومرت في التعلم ولا عن المادّة المعرفية التي تحصل عليها، خاصة في المغرب، ولكن في مقابل ذلك تتحدث عن شغفه إلى التعلم ورغبته الجامحة في الدراسة ممّا جعله متميزا، متفردا عن أقرانه، فلم يكن يبالي بلعب ولهوالصبيان، ولم يكن ليغادر المسجد إلاّ قليلا، ولكثرة ملازمته المسجد ليلا وقراءة القرآن على ضوء القنديل لُقِب بـ: " أسفو" "ومعنى أسفو بالبربرية " الضياء"(1).
حفظ ابن تومرت القرآن وبعض مبادئ النحوفي قريته(2) وكانت هذه المواد أقصى ما يمكن طلبه في مثل منطقته، لهذا غادر مسقط رأسه متجها شمالا عساه يجد ضالته من العلم والحكمة، فقصد مراكش كما ذهب إلى ذلك "ليفي بروفنسال" " Levi –Provençal "(3) ثم "جاز البحر إلى الأندلس طالبا العلم، ووصل قرطبة … "(4) بهذه المدينة وفي حوالي سنة 500هـ يُعتقد أنه درس بعض أصول المذهب الظاهري "لابن حزم الأندلسي" (ت 455هـ) على يد "أبي جعفر حمدين بن محمد بن حمدين" (ت 548هـ)(5) وهنا يتأثر بهذا المذهب ويأخذبه خاصة في الفقه وبعض المسائل التشريعية ويبدوذلك جليا في تركيز ابن تومرت في دعوته وفي استدلالاته الدائمة بالقرآن وبالحديث.
باستثناء دراسته للمذهب الظاهري بقرطبة، لم يجد ابن تومرت بالمغرب الإسلامي ما يشبع رغبته في طلب العلم لهذا " مشى من قرطبة إلى المرية، فدخل منها في موكب إلى المشرق وغاب في رحلة في طلب العلم خمسة عشر عاما."(6)
ب- في المشرق الإسلامي:
توجه " ابن تومرت" إلى المشرق الإسلامي طالبا العلم حسب المراكشي حوالي سنة 501ه(7)، وكانت المواطن التي درس بها متعددة ومتنوعة التخصصات والمذاهب والاتجاهات يدرس بها أساتذة علماء لهم بصماتهم في التراث الإسلامي (في الفقه وعلم الكلام والفلسفة والتصوف واللغة إلخ … )
من هذه المحطات الهامة التي تركت أثرها في تكوين شخصية ابن تومرت المصلح، المعلم والسياسي: الإسكندرية، حيث تتلمذ فيها على يد "أبي بكر الطُرطُشي"(8) (ت521هـ) الأندلسي الأصل ومالكي المذهب، تعلم منه أصول الفقه والجدل، وأفكار فلسفية وصوفية جسّدها زهده في الحياة وتعاليه عن طلب الدنيا ومغرياتها وكذا استماتته في تطبيق مبدأ " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"وفي التعبيرأوممارسة ما هوحق مهما كانت عواقبه ولقد عمل الطرطوشي بهذا المنهج نضاله من أجل تثبيت المذهب السني(9). ولعلّ هذا من أبرز ما أثر في "ابن تومرت" وساعده في ذلك طبعه البدوي الجبلي الغليظ.
وتُعد " بغداد"(10) من أهم المحطات في حياة " ابن تومرت " التعليمية، وبها قضّى قرابة العشر سنوات(11) اكتسب فيها "ابن تومرت" كمّا من المعارف والمعلومات، زائد خبرة حياتية بما اطلع عليه من تعدّد في الفرق وفي الإنتماءات المختلفة، فقهية وعقدية وعلمية ومن ثم سياسية. ومن بين الذين درس عليهم "ابن تومرت" ببغداد نذكر " أبا بكر الشاشي" و"الكيا الهراسي" و"المبارك بن عبد الجبّار" و"أبا
(1) -المصدر نفسه، ص.89.
(2) - Rachid Bouroiba: Ibn Tumart ،SNED.Alger 2eedition،1982،p.18.
(3) -Ibid.
(4) - ابن القطان: نظم الجمان، ص.62.
(5) -علي الإدريسي: الإمامة عند ابن تومرت، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1991، ص109.
(6) -ابن القطان: نظم الجمان، ص.62.
(7) -عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص.155.
(8) -المصدر نفسه، ص.156.
(9) - Encyclopedia Universalis
(10) - يتحدث "ابن حلدون" في" العبر" عن استفادة ابن تومرت الكبيرة في بغداد لما لقيه لدى علمائها وفحول نظّارها.
ابن خلدون (عبد الرحمن):كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر" ج6،دار الكتاب البناني، بيروت،1979،ص.465.
(11) -عبد المجيد النجار: فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب،،دار الغرب الإسلامي، ط1، 1992. ص.67.