12 خميسي ساعد - أثر المذهب الموحدي في الحضارة الإسلامية بالمغرب
الجزء ١٣ · صفحة ٢٢٣عليه، ويتضح ذلك من خلال المذهب الذي رام ابن تومرت تأليفه وعاد إلى المغرب لتجسيده، ففي ماذا يتمثل هذا المذهب وما هي العناصر التي تؤلفه؟
4 ـــ عودة ابن تومرت إلى المغرب بفكرة التغيير:
بعد أن تحددت ملامح شخصية ابن تومرت من خلال ما أفاده في المشرق واقترابه من جهابذة المذاهب العقدية السائدة خاصة الأشعرية منها ممثلة في شخص أبي حامد الغزالي، عاد ابن تومرت إلى بلاد المغرب الإسلامي حاملا فكرة تأسيس دولة توحد شعوب المنطقة كما توحد مذاهبهم بالعودة حسب رأيه إلى الأصل الموحد للامة الإسلامية، ولم ينتظر ابن تومرت حتى يعود إلى موطنه الأصلي ليجهر بدعوته بل باشرها في رحلته إلى المغرب متبعا فكرة عقدية تعد من الأصول لدى مختلف المذاهب وهي: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وتروي المصادر التاريخية أن ابن تومرت قد تعرض لمحن ومواقف صعبة بسبب جرأته وشجاعته في تجسيد هذا المبدأ، ومن ذلك ما يرويه عبد الواحد المراكشي في:"المعجب في تلخيص أخبار المغرب" من حادثتين واحدة بالإسكندرية تسببت له في خروجه منها مطرودا والأخرى وهوفي عودته إلى المغرب على ظهر السفينة التي كان مسافرا على متنها، يقول صاحب "المعجب": " … وكر راجعا إلى الإسكندرية فأقام بها يختلف إلى مجلس أبي بكر الطرطوشي الفقيه، وجرت له بها وقائع في معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أفضت إلى أن نفاه متولى الاسكندرية عن البلاد، فركب البحر، فبلغني أنه استمر على عادته في السفينة في البحر، فأقام أكثر من نصف يوم يجري في ماء السفينة لم يصبه شيء، فلما رأوا ذلك من أمره أنزلوا إليه من أخذه من البحر، وعظم في صدورهم، وما يزالوا مكرمين له إلى أن نزل من بلاد المغرب بجاية"(1).
ببجاية التي وصلها سنة 511 هـ واصل ابن تومرت نهجه في تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال المساجد أو الاحتكاك المباشر مع الناس سواء كانوا من العامة أو الخاصة، وبهذه المدينة بدأ صيته يذاع ويتعاظم أمره ويلتف حوله الطلبة والأتباع حتى "نمى أمره إلى العزيز بن الناصر [صاحب بجاية] فهمَّ به، ثم تركه عصمة من الله تعالى … فخرج المهدي من بجاية إلى رباط خارجها وعلى
(1) -عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص.160.