مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

12 خميسي ساعد - أثر المذهب الموحدي في الحضارة الإسلامية بالمغرب

الجزء ١٣ · صفحة ٢٢٥

ومن مراكش حيث بلاط علي بن يوسف بن تاشفين واصل أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر مع العامة ومع الخاصة، بمن فيهم أمير المرابطين وأسرته، وهناك أيضا تعمقت الفكرة العدائية تجاه الملثمين الذين يكفرهم في مؤلفاته ويستحل دماءهم، ومن نتيجة هذا العداء والجرأة في نقد الحكام واتهامهم بالتخاذل والتقاعس في مسائل العقيدة أن طرد أيضا من مراكش، وكان لجوؤه هذه المرة موطنه الأصلي.

في عام 514 هـ/1120 م فر ابن تومرت(1) من مراكش إلى أغمات، عبر مسالك جبلية حتى التحق بـ"السوس" حيث قبيلته هرغة، وهناك التف حوله قومه من هرغة وغيرهم من المصامدة وذاع صيته أكثر من ذي قبل وواصل الجهر بحركته الإصلاحية من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهناك بدأت تتشكل بوضوح حركته الموحدية، ولكن لم يعلن عنها صراحة ولم ينقل عمله الدعوي التعليمي إلى المسلك الثوري حتى أعلن في الناس أنه المهدي المنتظر، وقد مهد لذلك بجملة من الكرامات وخرق العوائد، والإكثار من الحديث عن فكرة المهدي وعصمته، وساعده في ذلك المقربون من أتباعه بتصديقه ونشر فكرته وخصاله التي حسبهم تنسحب عليه بحسب ما تنص عليه النصوص الدينية. يقول صاحب المعجب في هذا الصدد:" فلما قرر في نفوسهم فضيلة المهدي ونسبه ونعته، ادعى ذلك لنفسه، وقال أنا محمد بن عبد الله … ورفع نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وصرح بدعوى العصمة لنفسه، وأنه المهدي المعصوم، وروى في ذلك أحاديث كثيرة، حتى استقر عندهم أنه المهدي، وبسط يده فبايعوه على ذلك … "(2).

منذ هذه القترة، خوالي سنة 515هـ / 1121م أصحب يلقب ابن تومرت بالمهدي، وقد "لقبه بذلك العشرة من أصحابه ساعة مبايعتهم له أولى بيعة انعقدت له."(3) كما أنه لا يتوانى في تسمية نفسه بالمهدي وبادعائه العصمة، يقول صاحب نظم الجمان:" وقد وقفت على نسخة صك … أوله بعد البسملة والصلاة: أقول وأنا محمد بن

(1) -النويري: تاريخ المغرب الإسلامي في العصر الوسيط/من كتاب نهاية الأدب في فنون الأدب، تحقيق: مصطفى أبوضيف أحمد، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1984، ص 398.

(2) -عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص.161.

(3) -ابن القطان: نظم الجمان، ص.88.

٢١٨ / ٣٠٩