12 خميسي ساعد - أثر المذهب الموحدي في الحضارة الإسلامية بالمغرب
الجزء ١٣ · صفحة ٢٢٩ذلك مجاميع "(1).
وللموحدين الفضل في أن مسلمي المغرب الإسلامي عادوا إلى الخوض في علوم النظر حيث نشروا فلسفة أرسطو من خلال أقطاب الفلسفة الإسلامية: ابن طفيل وابن رشد وغيرهما من فلاسفة المغرب الإسلامي ولم تعرف فلسفة اليونان، خاصة فلسفة أرسطو شرحا أفضل من شرح هذين العلمين وتكفي الإشارة إلى أن ابن رشد يلقب بالشارح الأكبر فهو الذي شرح فلسفة أرسطو بطلب من الخليفة، وما يقال عن الفلسفة يقال عن التصوف وعلم الكلام والأدب واللغة، وتكفي الإشارة أن من أقطاب التصوف الإسلامي من ظهر وبرز في كنف الدولة الموحدية مثل سيدي بومدين وما لعبه من دور ببجاية حيث كان يكون مشايخ المتصوفة، وكذا والشيخ الأكبر محي الدين بن عربي صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم والذي كان ومازال تأثيره ممتدا مشرقا ومغربا إلى يومنا هذا.
لقد أجمع المؤرخون على عناية الدولة الموحدية بشأن التعليم حتى أنه كان يماثل أنماط التعليم الحالية الابتدائية والثانوية والعالية "منتشرا في أنحاء المملكة وكان إجباريا يشمل الذكران والإناث، وفيه من التعاليم الرياضية والحرية ما يشبه النظم العصرية بالمدارس الحكومية الرسمية اليوم"(2)
وإذا كانت كتب الغزالي في النظام السابق – المرابطي – محظورة فإنه مع الموحدين "حررت وسمح بنشر مختلف الكتب في مختلف الفنون كالفروسية وسيرها وكتب المغامرات والقصص … ولقد سمح بقراءة مثل هذه الكتب على كراسي المساجد في الوقت الذي كان فيه يعد ذلك كفرا في العهد المرابطي(3).
إن مثل هذا التشجيع على علوم النظر وعلى العودة إلى الغزالي لا يعني أن حرية الفكر والقراءة كانت مطلقة في العهد الموحدي فهناك من الكتب الفقهية المالكية التي أمر بحرقها كما كان إذا ظهر مؤلف معارض أومخالف للنمط الموحدي بعض الشيء يطلب ممن هوموحدي من العلماء التصدي له ومناظرته ودحض أفكاره. لكن توعد الموحدين لمخالفيهم وما فعلوا بهم في عهد ابن تومرت لا يتيح إمكانية التجرأ على الخلاف أوالمعارضة.
5 - مذهب "ابن تومرت" أو أيديولوجية الدولة الموحدية:
إذا أردنا تحديد مذهب ابن تومرت أومنهجه في التصور العقدي بدقة وبوضوح، بل وحتى السبيل الفقهي المتبع من بين السبل السائدة في العالم الإسلامي مشرقا ومغربا، فإنّ ذلك يصعب كثيرا، ولقد احتار وأخطأ حتّى المؤرخون القريبون منه زمنيا في تحديد ذلك فهذا "عبد الواحد المراكشي" يصف مذهب ابن تومرت بقوله:"وكان على مذهب أبي الحسن الأشعري في أكثر المسائل، إلاّ في إثبات الصفات، فإنه وافق المعتزلة في نفيها وفي مسائل قليلة غيرها، وكان يبطن شيئا من التشيع، غير أنه لم يظهر منه إلى العامة شيئا."(4)
في حين يذهب ابن خلدون إلى رأي آخر يضيق فيه من تصوره لمذهب ابن تومرت فيجعله سنيا أشعريا صرفا، ويكتفي بذكر ما يجعل من ابن تومرت أشعريا وفقط، مثل ضبطه لمفهوم علم الكلام حين يعده علما يدافع عن عقيدة السلف باعتماد العقل، ومثل إمكانية اعتماد التأويل، ثم يحكم بتعميم بأن الأشاعرة هم الأئمة في العقيدة، يقول "ابن خلدون" عن ابن تومرت وعن أشعريته:" وكان قد لقي بالمشرق أئمة الأشعرية من أهل السنة، وأخذ عنهم واستحسن طريقهم في الإنتصار للعقائد السلفية، والذب عنها بالحجج العقلية الدامغة في صدور أهل البدعة، وذهب إلى رأيهم في تأويل المتشابه من الآي والأحاديث، بعد أن كان أهل المغرب بمعزل عن أتباعهم في التأويل والأخذ برأيهم فيه اقتداء بالسلف في ترك التأويل، وامرار المتشابهات كما جاءت، فطعن أهل المغرب في ذلك وحملهم على القول بالتأويل، والأخذ بمذاهب الأشعرية في كافة العقائد. وأعلن بإمامتهم ووجوب تقليدهم."(5)
من خلال هذا النص وغيره من النصوص الخلدونية يبدوإن إعجاب ابن خلدون بالغزالي وبالأشاعرة، يضاف إليه خطؤه في اعتبار علم الكلام صناعة لم يعد لها مبرر وجودها لأن أئمة السنة ويقصد الأشاعرة، قد تصدوا للمبتدعة المنحرفين، وتكفلوا بالذود عن العقيدة(6)، قد أنساه ما تحمله عقيدة ابن تومرت من عناصر غريبة عن
(1) -عبد الرحمن الجيلالي: تاريخ الجزائر، ج2، ص ص21 - 22.
(2) -المرجع نفسه، ص 25.
(3) -المرجع نفسه، ص 25.
(4) -عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص.162.
(5) -ابن خلدون (عبد الرحمن):كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر" ج6،ص.466.
(6) -ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، دار الجيل، بيروت، ص.517.