12 خميسي ساعد - أثر المذهب الموحدي في الحضارة الإسلامية بالمغرب
الجزء ١٣ · صفحة ٢٣٠الأشعرية، بل الأشاعرة أنفسهم ناهضوها وكفروا أصحابها مثل علاقة الذات الإلهية بالصفات، ومسائل أخرى. ثم إن نص "عبد الواحد المراكشي" ونصوص ابن تومرت فيها آراء غير أشعرية تفند ما ذهب إليه "ابن خلدون".
والواقع إن تعدد الشخصيات والمناهج والمدارس التي درس فيها ابن تومرت: فقهية ظاهرية بالأندلس، مالكية بالإسكندرية، شافعية ببغداد، وعقدية أشعرية جوينية ثم أشعرية غزالية، فأصولية متفتحة على الفلسفة، فصوفية. كل هذا يضاف إليه ما ذهب إليه " هنري لاووست" “ H-Laoust” بأنه كان لابن تومرت لقاءات بأعلام من الحنابلة وبشخصيات فاعلة من الشيعة الإمامية والإسماعيلية(1)، ويضاف إليه أيضا ما أفاده من خلال " اطلاعه عن كثب على أنظمة سياسية مختلفة حيث كانت له لقاءات مع العديد من الأمراء والولاة، وهوما أكسبه معرفة واسعة بالواقع السياسي للمسلمين، ونفاذا إلى العيوب والانحرافات التي كان يشتمل عليها ذلك الواقع."(2)
ما سبق ذكره يدفعنا إلى القول إن ابن تومرت قد أدرك بأن الاختلافات العقدية والفقهية لها دخل في قيام الدول وزوالها وهي واقع مشتت للمسلمين، لهذا رام مذهبا عقديا وفقهيا موحَّدا ومُوحِّدا للأمة في دولة واحدة تقضي على الشتات والفرق سواء في الغرب أوفي الشرق، وما دامت ساحة المغرب الفكرية بكرا ويعمها الجمود والتقليد رأى " ابن تومرت" أن يلم شتات المذاهب في مذهب واحد وسطه الجامع: الأشعرية لما من نزعة توسطية واضحة تأسست لأجلها، ولما استفاده من تعليم أشعري من الغزالي على وجه الخصوص، ولأن فكر الغزالي يتيسر نشره بالمغرب بحكم أنه ممنوع والممنوع يسهل رواجه، وبحكم وجود الحركة الاحتجاجية المنتصرة للغزالي والمذكورة آنفا. وأمّا فروع المذهب فتمتد حتّى إلى المذاهب المضادة كما هوالحال بالنسبة للحنابلة والظاهرية من جهة، والمعتزلة من جهة أخرى، أو حتى الأشعرية من جهة والباطنية من جهة أخرى.
إذن، وخلافا لما ذهب إليه ابن خلدون، وحتّى ما ذهب إليه المراكشي من أن ابن تومرت إلاّ في مبحث الصفات وإبطان التشيع، لأن الذي يبطن التشيع ويقول بآراء المعتزلة في علاقة الصفات بالذات خرج في الحقيقة منهجيا عن دائرة الأشعرية وعن نسقها الفكري، سواء أشعرية غزّالية أوجوينية أوباقلانية.
وإنّما الأصح وهوما ذهب إليه بعض الدارسين(3) من أن ابن تومرت في تعلمه درس نماذج مختلفة من المذاهب، وفي واقعه السياسي والاجتماعي أدرك تنوعا وتعدّدا مذهبيا مشتتا، كما أدرك أن الدول تتعاقب انطلاقا من وجهة مذهبية عقدية أوفقهية محددة (مالكية أوحنبلية، معتزلية أوأشعرية، أوإباضية … ) فأراد وحدة مذهبية عناصرها منتقاة مع تغليب اللون الأشعري، وبذلك كأني بابن تومرت قصد لم شمل أقصى اليمين بأقصى اليسار بتوسط أشعري قدر المستطاع.
فابن تومرت بمذهبه الموحد من عناصر متنوعة، موفقة أو ملفقة، أراد أن يتوسط المذاهب مع عدم التفريط في بعض ممّا وجده ممكن الإفادة من "الباطنية" أو من "الظاهرية" أو من "الإباضية" أو من "الحنبلية" أومن "المالكية" أو من "الشافعية".
هذا المذهب الذي رأى فيه ابن تومرت وحدة الأمة وسيلته في بلوغ الحكم لا بد له من رواج، وهذا لن يتم إلاّ من خلال العملية التربوية التعليمية – من خلال الأصل العقدي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- والتي تولاها ابن تومرت بنفسه في المغرب الإسلامي انطلاقا من تونس إلى موطنه الأصلي في جنوب المغرب الأقصى، وبذلك يتمكن من إعداد مساعديه في إقامة دولة يجسد فيها مذهبه، أوعلى الأقل إعداد رعايا مقتنعين بآرائه.
6 ـــ من الأمر بالمعروف .... إلى أعز ما يطلب
يكتسي كتاب المهدي بن تومرت كما هو واضح من عنوانه أهمية قصوى على مختلف الأصعدة: العقدية، الفقهية والسياسية، ويمكن القول بالمصطلح المعاصر أنه يجسد "أيديويلوجية" الدولة الموحدية كما رسمها المهدي بن تومرت
(1) - Encyclopedia Universalis
(2) - عبد المجيد النجار: فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب، ص.68.
(3) -يذهب أستاذنا الدكتور عمّار طالبي إلى القول:" حمل [ابن تومرت] معه منهجا جديدا في الفهم، أراد أن يدعو إليه، وأن يغير أسلوب الحياة العقلية الإسلامية على أساس من الأصول، والتأويل العقلي، على طريقة الأشاعرة تارة وعلى طريقة المعتزلة تارة أخرى، بل إنه استعمل طريقة الإمامية في المجال السياسي والاجتماعي ونادى بطاعة الإمام وعصمته … "
محمد بن تومرت: أعز ما يطلب، تقديم وتحقيق عمار طالبي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985، مقدمة المحقق، ص.05.