مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

15 بابا وعمر - الفتى الثائر رمضان حمود

الجزء ١٦ · صفحة ٢٥٥

ولكن حمود انتقد طريقة التعليم في عهده، فأما التعليم في المدرسة الفرنسية النظامية رغم حداثة مناهجه وتطور أساليبه فتعليم عقيم، يهدم القيم الروحية، ويمسخ مقومات الشخصية الجزائرية مسخا، ويصفه في قوله: «إن التعليم في تلك البيوت عقيم لا يُنبت شيئا، وإذا أنبت فالشّوك والحنظل، من سوء الأخلاق والتذبذب، وعقوق الوالدين، والخروج عن الجادة»(1).

وأما التعليم العربي الحر في الكتاتيب والمساجد فتعليم يعتمد على التلقين المُجرّد من الفهم، ويُحمَّل فيه المتعلّم على أغراضه التربوية بالقوة والإكراه، ويببن حمود نتيجة هذا التعليم على نفسه: «أربعة أعوام كاملة قضاها في حفظ القرآن فلم ينل في النهاية إلا سورا مرسومة في دماغه لا يفقه منها شيئا على أنه لم يكن يحفظها كلها لما تقدم من اضطهاد المعلمين لتلاميذهم عند تلقين كلام الله لهم. فكان يحضر بجسمه ولكن قلبه غائب، لأنه لا يحب أن يسيطر عليه أحد إلا الله لما جبل عليه من حرية وعظمة نفس فلما أجبر وغلب على أمره كانت النتيجة غير حسنة. لأن القوة مهما كانت لا تجلب إليها القلوب الكبيرة ولا تكسر حدتها بل ما تزيدها إلا مضاء على التمرد والعصيان، وإن كانت تستولي على الجسم الفاني في بعض الأحيان»(2).

هذه لمحة إلى وضع التعليم في الجزائر المستعمرة بيد أن حمود يعترف أنّ العلم مهما كانت رداءته فالجهل أردأ منه(3).

وفي السادسة عشر من عمره قرر والد حمود أن يبعث به إلى تونس قبلة المتعلمين آنئذ، فالتحق بالبعثة العلمية التي يترأسها الشيخ أبو اليقظان، والشيخ أبو إسحاق اطفيش، والشيخ محمد الثميني،

وهناك وجد الفتى الشغوف بالمعرفة ضالته المنشودة، وقد درس في عدة مدارس مدرسة السلام، فالمدرسة القرآنية الأهلية، فالمدرسة الخلدونية ثم جامع الزيتونة، ولم يقتصر نشاطه في الدراسة فقط بل كان يعمر أوقات فراغه بالتدريب على الكتابة والخطابة والشعر وكثرة المطالعة باللغتين العربية والفرنسية مما أكسبه ثقافة عصامية متمكنة في التاريخ والأدب والاجتماع والسياسة كما أسس هو وأصدقاؤه جمعية أدبية وطنية كانوا يلقون فيها خطبا ومحاضرات كلها تحوم حول الوطنية والدين(4). وقد قضى حمود

(1) -المصدر نفسه.

(2) -المصدر نفسه، ص 329.

(3) -المصدر نفسه، ص 323.

(4) - المصدر نفسه، ص 334.

٢٤٥ / ٣٠٩