15 بابا وعمر - الفتى الثائر رمضان حمود
الجزء ١٦ · صفحة ٢٥٦بتونس عامين كاملين يغترف العلوم من مناهلها العذبة ومواردها الطيبة، بكل جد واجتهاد جاعلا نصب عينيه رفع مستواه العلمي، وتكوين شخصيته. ولكن كان لتقاليد بيئته الجزائرية حكمها القاهر، فمن عاداتها أنها تحتم على الشاب التزوج مبكرا مما جعل حمود يترك متابعة دروسه بتونس ويقفل راجعا إلى وطنه وهو يفور إحساسا وشعورا. ويعلّق حمود على عادة الزواج المبكر ناقدا إياها نقدا موضوعيا بقوله: «وفي هاته العادة منفعة ومضرة، أما الأولى فإن الزواج يحفظ الشاب من التهتك والانقياد للنفس الأمارة والترامي في حضن العهر والفساد، ثم هو يتعلم الاتكال على النفس منذ الحداثة لأن والديه بعدما يرمونه في ذلك البحر الزاخر لا ينظرون إليه بالعين التي كانوا ينظرون إليه من قبل، بل يتركونه وشأنه –إلا القليل منهم– يسبح ويغوص … أما المضرة فلأن الشاب قبل العشرين مهما كان حاله لم يقرر مصيره بعد، ولم يتجه إلى ناحية من الحياة ثابتة لا تزحزح يقضي فيها أيامه الآتية فهو لم يزل كالريشة في مهب الرياح لا تستقر على حال فمن الحكمة ألا توضع في عنقه تلك السلسلة المحكمة الثقيلة وهو لا يشعر باستقرار وجوده وغاية مصيره. وعلى كل حال فلا لوم إذ كل شيء قد سار في طريقه السّويّ فإن أولئك القوم لا يهمُّهم إلا أمر دينهم، فهم يُضحُّون بكل شيء في سبيله فلا يمحِّصون، ولا يقابلون، ولا يقارنون إلا بمكرسكوب الدين، فالدين له الدرجة الأولى في تسيير سفينة حياتهم الأدبية والمادية وما ضلَّ من جعل الدين دليله»(1).
عاد حمود إلى وطنه الجزائر، واستقر بمسقط رأسه (غرداية)، وأسهم بكل ما أوتي من قوة في تغيير أوضاع مجتمعه الصغير والكبير، تاركا وراءه إنتاجا فكريا متميزا. وظل خادما لرسالة العلم والإصلاح، وفيّا لأمته وإن أساءت في فهم نظراته وآرائه، حتى أدركته المنية وهو في ذروة العطاء والإنتاج في الثالثة والعشرين من عمره في مسقط رأسه سنة 1348 هـ/1929م بعد مصارعته الطويلة لداء السل الخطير الذي أعيى الأطباء داؤه، داء أصيب به نتيجة سكنى الطلبة الجزائريين بتونس في بيوت كالجحور مفتقرة إلى أبسط وسائل حفظ الصحة، مما أدى إلى إصابة الكثير منهم بعلل مزمنة وهلاك بعضهم(2).
(1) -المصدر نفسه، ص 335 - 336.
(2) -عن وضعية الطلبة الجزائريين وظروف معيشتهم بتونس، يراجع: خير الدين شترة: إسهامات النخبة الجزائرية في الحياة السياسية والفكرية التونسية (1900 ـــ 1939م) ، دار البصائر، الجزائر، 2009م، ص: 202 ــــ 209.