مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

15 بابا وعمر - الفتى الثائر رمضان حمود

الجزء ١٦ · صفحة ٢٥٧

وبذلك ودَّع أهل مزاب والجزائر فتى ثائرا، وعالما مخلصا، وأديبا جريئا احتمل في سبيل الدفاع عن آرائه الشيء الكثير. وقد لقبه الإمام عبد الحميد بن باديس بفقيد الأدب والنهوض يوم نعاه إلى الأمة الجزائرية قائلا: «نعت إلينا زميلتنا "الإصلاح"(1) الغراء نبأ وفاة هذا الشاعر النابغة، والأديب الفتي، والمصلح الوطني، فوقع علينا ذلك النبأ الوقع المؤلم حتى كأنما بُتر عضو من جسد هيئتنا، وأظلم أمامنا قسم عظيم من مستقبل الجزائر، كنا نعلق إنارته على جده وعمله وإخلاصه وأعظم المصائب ما أثر في مستقبل الأوطان، وأفضح الرزايا ما أضعف قوة الأمم، فنحن والحزن يأخذ منا كل مأخذ، نعزي فيه الملة والوطن والأدب، سائلين له الرحمة والرضوان، ولآله الصبر والسلوان»(2).

2 - آثاره العلمية

إذا شاءت الأقدار أن يعيش الفتى حمود زمنا قصيرا فقد استطاع أن يكون حاضرا في عصره، يؤثر فيه ويتأثر به، ويشارك بمقالاته الأدبية ومؤلفاته الفكرية في صناعة أحداث عهده، وإصلاح أوضاع أمته بما أوتي من قوة وبيان. ويوضح لنا الدافع من تآليفه والهدف منها في قوله: «ولست من الذين يكتبون للتسلي، ويطلب الترويح عن النفس، ولا من الذين يتلذذون بالعبارات المنمقة الرقيقة، ولكني أكتب لأفيد وأستفيد، أكتب لا ليقال إنه كتب بل ليقول لي ضميري: "إنك قمت بواجبك، وأديت ما عليك فكن مطمئنا". ثم بعد هذا لا أرجو جزاء من مخلوق، ولا أخاف عقابا، إذ الله وحده يرجى بره، ويطلب منه العفو والثواب»(3). وآثاره العلمية تعكس تلك المنطلقات الصادقة في الكتابة، فالكتابة مسؤولية عظمى على عاتق الكاتب يتحمل تبعاتها، ولو كانت في ظروف قاهرة، وصدق الجاحظ في قوله:

وما من كاتب إلا سيفنى

ويُبقي الدهر ما كتبت يداه

فلا تكتب بكفك غير شيء

يسرك في القيامة أن تراه

فمن مؤلفاته ما يأتي:

*-كتاب بذور الحياة، يحتوي على خواطر فلسفية وحكمية عن الحياة، طبع بتونس سنة 1928م.

*-كتاب الفتى، وهو محاولة قصصية تروي سيرته الذاتية، وقد طبع بتونس سنة1929م.

*-حوالي ثلاثين قصيدة شعرية.

*-مجموعة مقالات أدبية واجتماعية موزعة بين الجرائد كالشهاب، ووادي ميزاب.

وقد جمع الدكتور محمد ناصر قصائده المتناثرة في الجرائد وكتابيه بذور الحياة والفتى في دراسة أدبية نقدية قيّمة، طبعت مرتين، الأولى بعنوان: "رمضان حمود حياته وآثاره". والثانية بعنوان: "رمضان حمود الشاعر الثائر".

3 - مقومات شخصيته

من خلال آثار حمود ومواقفه، واستئناسا بالأوصاف التي نعته بها معاصروه نحاول استجلاء معالم شخصيته القائمة على خصال خُلُقيّة وعلميّة، وهي فيما يأتي:

أ-الثّورية

وهي الصفة البارزة التي طبعت شخصيته فكرا وسلوكا، و يعبر عن ذلك زميله مفدي زكرياء في قوله:"إنه كان ثوريا في جميع آرائه وأفكاره إلا الدّين فأيّما عود عجمته منه إلا وجدته يتقد نارا وغيرة "(4) فلقد ثار حمود على التخلف الفكري، والتقليد الغربي، وعلى أنماط التعليم في عهده، وعلى الاستعمار الفرنسي الذي زجّ به في السجن وهو دون العشرين من عمره، وثار على كل شيء فاسد إلّا على الدين فقد حفظ حدوده، وتمسّك بأصوله.

وصفة الثورية متولدة عن صفات نفسية أخرى كالشجاعة، والإباء، وحب الحرية، والاعتزاز بالنفس.

ب- الغيرة الشديدة على الدين

تشرَّب حمود مبادئ الدين وأخلاقه الفاضلة من أسرته منذ صباه فشبَّ على التمسك بشعائره والاعتزاز بقيمه كالتقوى والورع والعفة والنزاهة، فكان له ذلك نعم الحافظ من الوقوع في مزالق الشطط والتهور رغم ثوريته وحماسته المتدفقة. فما أعظم أن تتقيَّد الثورات لاسيما ثوارت الشباب بضابط الدين والقيم، فالدين في نظر حمود «قوة معنوية تكهرب المرء، وتبعث فيه روح الأمل والإقدام على الدواهي وعدم الخوف من أي قوة كانت … وليس الدين معناه الموت كما يظنون، ولكنه هو الحياة بعينها»(5)،

(1) -نشر نعي الأديب رمضان حمود في مجلة "الإصلاح" للشيخ الطيب العقبي، ع 9 جانفي 1929.

(2) -محمد ناصر: رمضان حمود حياته وآثاره، ص350 نقلا عن مجلة الشهاب لابن باديس، ج12 م5 و ج2 م6.

(3) - رمصان حمود: بذور الحياة، ص10 ـــ11.

(4) -المرجع السابق، ص21 نقلا عن مجلة الإصلاح للطيب العقبي، ع13، 27/ 02/1930.

(5) -رمصان حمود: بذور الحياة، ص 14 ـــ 17.

٢٤٧ / ٣٠٩